رئيس التحرير
عصام كامل

مئوية ثورة مصر الحقيقية


أنا من المؤمنين بأن مصر لم تشهد ثورة حقيقية إلا ثورة ١٩١٩، وأن كل ما حدث قبلها أو بعدها كانت هبات أو انتفاضات ورد فعل على بعض مظاهر الظلم الاجتماعي أو الأمني أو تقصير السلطة في تقدير هموم الشارع، وفِي كل الأحوال فقد كانت ثورة ١٩ هي الحدث المؤسس للهوية الوطنية المصرية، ذلك إنها كانت بمشاركة كل المصريين، ولم يشوبها تعصب ديني، ولا صراع طبقات، ودون دماء كما حدث في كل الثورات وفق نظريات الثورات في روسيا وفرنسا وإسبانيا..


صحيح أن نحو ٦٠٠ شهيد ومثلهم من الجرحى هم مهر الأمة لتلك الثورة إلا أنها كانت تعبيرا عن النضج السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تطور بعد أكثر من مائة عام من دخول التعليم الحديث، وبعد ٤٠ سنة من إتاحة التعليم للنساء، وبعد عشرين عاما من تحرير المرأة ونشر كتاب "المرأة الجديدة" لقاسم أمين، وبعد نضج الصحافة المتعددة وتأسيس الأحزاب السياسية كالحزب الوطني وحزب الأمة، وبعد تأسيس الجامعة المصرية..

أي إن عوامل الثورة والتغيير كانت قد نضجت واستوت وحان وقتها المناسب في مارس ١٩١٩، عندما اعتقلت سلطات الاحتلال سعد زغلول ورفاقه الذين كانوا يتحدثون باسم الأمة، وكان الزعماء الثلاثة سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي قد التقوا بالمندوب السامي البريطاني وطالبوه بالاستقلال، فكان رده وقحا، إذ أخبرهم أن الطفل إذا أخذ من الغذاء أكثر مما يلزمه أصيب بالتخمة..

وهنا كان على سعد ورفاقه إثبات أن الأمة المصرية شبت عن الطوق ولم تعد أمة من الأطفال، وعندما شكك المندوب السامي في شرعية سعد ورفاقه للتحدث باسم الأمة بدأ المصريون في جمع التوقيعات لتفويض الوفد المصري للتحدث باسم الأمة المصرية، لتبدأ ميلاد الوحدة المصرية، ولهذا خرجت الجماهير للشوارع احتجاجا في كل مصر على اعتقال سعد ورفاقه..

وكان ما كان من توابع ثورة ١٩ من استقلال ودستور وبرلمان وحيوية سياسية ونهضة شاملة في كل شيء من التعليم للفن للاقتصاد للأحزاب، ونشأة حزب الوفد بصورة طبيعية ومنطقية، دون افتئات أو قفز على الواقع، وللأسف جاءت حركة يوليو ٥٢ لتنسف كل ما تحقق من استقلال وطني وليبرالية وبرلمان حقيقي، وبدا المشهد في إعادة خلق بلد وأمة جديدة على مقاس الحكام الجدد، بحل الأحزاب وتأميم السياسة والاقتصاد، وقطع كل صلة بأهم حدث للأمة المصرية، لكي لا تصبح في مصر إلا ثورة الضباط الأحرار..

التي أسموها الحركة المباركة، حتى تطوع مثقفو كل عصر وأطلقوا عليها ثورة، ولهذا تم وأد أي حديث عن ثورة الأمة المصرية في ١٩١٩، وأيا كان الأمر فإن الاحتفال بمئوية ثورة ١٩ ليست حنينا للماضي، أو نكاية فيما أطلق عليه ثورات، وهي ليست كذلك، لكن لتصحيح ذاكرة الأمة والأجيال المقبلة، وتعميق مفهوم المواطنة التي صاغته ثورة ١٩..

وهو ما تحتاجه الأمة في ظروفها الراهنة، ثم الأهم أن تلك الثورة هي التي أسست مرجعية الدولة الدستورية والحريات المدنية والسياسية والمدرسة المصرية في النهضة في مجالات الإبداع، ولها الفضل في بلورة كيانة الدولة الحديثة من حكومة ونقابات وجمعيات المجتمع المدني، وهو ما أدى لظهور طبقة من المثقفين والمبدعين في كل مناحي النشاط الإنساني، وأخيرا وهذا هو المهم بلورة الطبقة الوسطى المصرية العريضة..

وأصبح حزب الوفد هو المعبر الحقيقي عن كل تلك القيم، وفِي ظني أن شروط النهضة تكمن في استيعاب قيم ثورة ١٩ خاصة الليبرالية السياسية لفك عقال الأمة وتحريرها من قيود الرأي الواحد والحزب الواحد، خاصة أن حزب الوفد صاحب الأغلبية الساحقة لم يحكم سوى سبع سنين متفرقة، بما يعكس الحيوية السياسية التي خلقتها ثورة ١٩..

وكل الأمل أن يكون الاحتفال بمئوية تلك الثورة على قدر ما أحدثته من إنجازات في وعي الأمة المصرية، بدلا من هدر الإرث الوطني لحساب شعارات ومزيفي التاريخ والثورات، وربما نستلهم منها مشروع للنهضة المدنية يتوافق عليه المصريون كما حدث منذ مائة عام.
الجريدة الرسمية