رئيس التحرير
عصام كامل

«عم جمال» 9 سنوات في خدمة مرضى الفشل الكلوي: خير لا يقدر بمال (فيديو)

فيتو
18 حجم الخط

منذ نحو تسع سنوات، كان على موعد مع حياة جديدة، أحداثها متشابكة، مختلفة عن تلك التي ألفها خلال سنوات عمله في أحد المصانع التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، كان يومه حينها روتينيًا للغاية، فما بين المرور على مجموعة العاملين الذين تولى هو مهام الإشراف عليهم، وبين جِلسة على المقهى في آخر النهار، انحصرت حياة "جمال عبد الناصر"، قبل أن يتعرف على صديقه خالد الذي فتح أمامه أبواب "الخير" كما يطلق عليها، ويضمه إلى قائمة العاملين بأجور رمزية في نقل مرضى الفشل الكلوي مجانا، من المستشفيات عقب عملية الغسيل حتى باب المنزل.


سيارة "سوزوكي" بيضاء صغيرة، تراكم الغبار على هيكلها الخارجي، "العربية دي من سنة 2005، مريحتش يوم واحد"، يبدو جزء من أجزاء السيارة في حالة يرثى لها، فهي تعمل منذ السابعة صباحا وحتى الحادية عشرة مساء، "أنا بشتغل عليها شيفتات كل شيفت بينه وبين التاني 3 ساعات وهي مدة الغسيل الطبيعية"، السيارة توفرها جمعية تابعة لأحد تجار "الخردة" في حي روض الفرج بالقاهرة، يعمل بها عم جمال بأجر رمزي، "أنا باخد مرتب قليل بجانب معاشي من الشركة الوطنية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي"، هذه الشركة التي اضطر جمال لأن يسوي معاشه بها مبكرًا، نظرا لخلافات نشبت بينه وبين رئيسه في العمل، وكأن هذا الخلاف جاء ليلقي عم جمال بين أوجاع المرضى التي يحاول أن يخففها قدر الإمكان، "مرض الفشل الكلوي من أصعب الأمراض في الدنيا، أنا بشوف بعيني حالات عمري ما تخيلت إنها تمر عليا".

يقف "عم جمال" في بداية اليوم أمام مستشفى الساحل بشبرا، ينتظر المرضى حتى موعد الخروج، يصعد درجات المبنى حاملا إياهم حتى باب السيارة، ينتهي "الشيفت" ليبدأ آخر في مستشفى معهد ناصر، من الثالثة حتى الرابعة، ينقل أم أميرة، والحاجة رجاء، من معهد ناصر إلى منزليهما في شبرا الخيمة بالقليوبية، تعرف أنهما وصلا إلى وجهتيهما حينما تتساقط الدعوات على رأس جمال، "احنا مبنستناش مقابل أكل أو شرب، حتى أحيانا الدواء بنشتريه ليهم، كفاية علينا الدعوة دي".

في تمام الرابعة يكون عم جمال أمام مستشفى "كوتشينر" أو "شبرا العام" في حي شبرا، "الشيفت الأخير"، ينتظر في مدخل المبنى الخاص بوحدات الغسيل الكلوي، حتى تنتهي الحالات من الغسيل، ليصطحبهم إلى المنازل التي تتواجد في محيط المستشفى أو في حي إمبابة.

رائحة الموت تطوق أرجاء سيارة عم جمال، "ياما ناس ماتت على أيدي هنا في المستشفى، وياما الكرسي ده"، مشيرا إلى المقعد المجاور له، "اتغرق دم من نزيف المرضى"، قبل أن يعمل جمال في هذه المهنة، لم يكن يعرف ماذا تعني كلمة "الفشل الكلوي"، يقول مبتسما "كنت فاكرهم بياخدوا العيانين يحموهم بالمياه!". ما زال عم جمال يتذكر حادث وفاة "الحاج سعيد"، بين يديه حينما أنهى جلسة الغسيل وأوصاه ألا يتركه، "يومها سند رأسه على الكرسي جنبي وقالي أنا بقالي 35 سنة بغسل، بس حاسس إني قربت أموت"، ليزفر زفرته الأخيرة ويسلم روحه لخالقها وهو على المقعد بجوار عم جمال.
الجريدة الرسمية