الصوفية في قلب الصراع من «الحلاج» حتى مذبحة مسجد الروضة (ملف)
ليس غريبا -على من يتابع التاريخ الإسلامي- قتل داعش وما شابه من تنظيمات إرهابية متشددة للصوفيين، فالدواعش والسلفيون المتشددون يتخذون من التطرّف قاعدة دينية أساسية يبيحون به جرائمهم، على عكس الصوفية أصحاب الفكر المعارض للتطرف، وبهذا اشتعل الصراع بين الصوفية والسلفيين المتشددين، واستمر منذ مقتل «الحلاج» حتى قتل المصلين في مسجد الروضة وحرق قلوب ذويهم.
1- أول شهيد للصوفية:

«هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك فاغفر لهم فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت، فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد»، آخر كلمات «الحسين بن منصور الحلاج» قبل مقتله وصلبه في 23 ذي الحجة عام 309هـ / مارس 922م، إذ لم ترضِ آراء وفكر الحلاج قاضيَ بغداد الفقيه محمد بن داود، إذ رآها متعارضة مع تعاليم الإسلام بحسب رؤيته لها، فرفع أمر الحلاج إلى القضاء طالبًا محاكمته أمام الناس والفقهاء فلقي مصرعه مصلوبا بباب خراسان بعاصمة العباسيين بغداد، على يدي الوزير حامد بن العباس.
يعد الحلاج أول شهيد في الصوفية بل الشهيد الأشهر والأكبر، حيث تم تكفيره من العلماء السلطة في ذلك الوقت، وهو ما يلخص موروث الصراع بين الصوفية والمتطرفين الذين ينظرون للصوفية على أنهم أهل شرك وضلالة.
وقال ابن تيمية: «مَنِ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنَ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ: أنا الله. وَقَوْلِهِ: إلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الأَرْضِ.. وَالْحَلاجُ كَانَتْ لَهُ مخاريق وَأَنْوَاعٌ مِنَ السِّحْرِ وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنَ الآلِهَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ، وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ».
2- صراع الأفكار:

وضع ابن تيمية البذرة للتشدد في العالم الإسلامي خاصة ضد الصوفية، لذلك تعد العلاقة عدائية جدا بين السلفية والصوفية، حيث إن الفكر السلفي يعتبر التصوف بدعة في الإسلام، وينتقد الممارسات الروحية للصوفية كونها أنواعا من الشرك والكفر، ومن أبرز ذلك، بناء المزارات والقيام بزيارتها والاحتفال بالمناسبات الدينية بأنواع مختلفة من الغناء والرقص الصوفي.
ويمثل التصوف مزيجا ثقافيا واسعا بين الثقافات المحلية المنتشرة من الهند إلى شمال أفريقيا مع مبادئ الدين الإسلامي.
ويركز في تعاليمه على الجانب الروحي للدين مقابل الجانب السياسي، ويميل نحو تأويل المفاهيم الدينيّة السياسيّة، مثل الجهاد، إلى أمور روحيّة لترويض النفس على طريق الخير.
3- الصوفية في الوطن العربي:
يقدر عدد الطرق الصوفية في الوطن العربي بنحو 280 طريقة صوفية، منها طرق ذات أعداد كبيرة ونفوذ قوي في الحياة العامة، من أهمها: الطريقة التيجانية في السودان، والرفاعية في مصر، والرحمانية في الجزائر، والبرهانية في تونس، والعلاوية في المغرب، والشاذلية في سوريا، والعيساوية في ليبيا، والعلوية والغزالية في اليمن.
وتتمركز الطرق الصوفية جغرافيًّا في المنطقة العربية في دول شبه الجزيرة العربية، وفي شمال أفريقيا في كل من مصر (76 طريقة وآلاف الزوايا والمقامات)، والسودان (40 طريقة وآلاف الزوايا)، وفي دول المغرب العربي في كل من الجزائر (30 طريقة و9 آلاف لديها زاوية)، وتونس (نحو 20 طريقة)، والمغرب (40 طريقة وآلاف الزوايا)، وليبيا (13 طريقة لديها 800 زاوية)، وفي شرق أفريقيا في الصومال، وفي غرب أفريقيا في موريتانيا.
وتوجد الطرق الصوفية بدرجة محدودة في بعض دول الخليج العربي، التي من أهمها: الكويت، والإمارات، والبحرين، خاصة الطريقتين القادرية والنقشبندية.
أما عدد الطرق الصوفية في اليمن، فيقترب من 20 طريقة، منها طرق وليدة البيئة اليمنية الداخلية، وهي توجد في جنوب ووسط اليمن.
4- صراع الصوفيين والسلفيين

المتابع للتاريخ الإسلامي يجد أن طبيعة الفكر الصوفي تعارض التطرّف، كما أن الفكر السلفي غالبا ما يتخذ من التطرّف قاعدة دينية أساسية له، وبعد قتل وصلب «الحلاج» على يد وزير العباسيين، جاء العثمانيون ليكملوا دور العباسيين في اضطهاد الصوفية رغم أنها لعبت دورا كبيرا في تأسيس الدولة، حيث قاد الشيخ بركوي محمد أفندي، وهو أحد مؤسسي السلفية في تركيا، وتأثّر بشكل كبير بدعوة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، الهجوم ضد الصوفية.
كما أن الحقبة الاستعمارية في العالم الإسلامي، وإنشاء دولة إسرائيل جعلا المعارضة مع الغرب مستمرّة في العالم الإسلاميّ، وساعدا في إيجاد أرضيّة خصبة للإسلام الثوري في شكل عام.
فمع ظهور وانتشار أفكار محمد عبد الوهاب في الجزيرة العربية والقضاء على أضرحة البقيع وتسويتها، قامت الحركة «الوهابية» في بداية القرن العشرين، وعمدت منذ ظهورها على تدمير الأماكن الدينية الأثرية ولم تستثنِ من ذلك منزل النبي والكثير من أضرحة أهله وصحابته وسوت قبورهم بالأرض، وما بقي من آثار تلك القبور وُضع عليه حجر كعلامة على وجوده دون أي إشارة لصاحبه.
ففي أبريل عام 1925، عمد «الوهابيون» إلى هدم قبور أصحاب النبي کليّا وتسويتها بالأرض بزعم حرمة تعلية القبور وحرمة زيارتها، وحولوا مقبرة «بقيع الغرقد» إلى تراب.
وکانت المدينتان مکة والمدينة -لکثرة ما بهما من آثار دينية- من أکثر المدن تعرضا لهدم الوهابيين، وحين احتل أتباع ابن عبد الوهاب مكة، هدموا المعالم النبوية التاريخية فيها، وعملوا على هدم كل القباب والأضرحة والمقامات وكل ما وجدوه من آثار منا ما يخص التعمير الإسلامي حول المسجد الحرام.
ومع ظهور مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، وأبو الأعلى المودودي في الهند، ونواب صفوي في إيران، ارتفعت شجرة المتشددين في العالم الإسلامي، وجاءت نكسة يونيو 1967، لترتفع حظوظ الإسلام السياسي، الذي أخذ من السلفيّة ذريعة للتسويق لنفسه، ثم جاء الاحتلال الأمريكي للعراق ليطلق العنان للتيار المتشدد يسيطر على المزاج الشعبي في البلاد، بفعل الدعم المادي الكبير من حكومات خليجية وجماعات الإسلام السياسي في مختلف الدول وصولا إلى الربيع العربي في 2011.
5- الربيع العربي:
وکانت المدينتان مکة والمدينة -لکثرة ما بهما من آثار دينية- من أکثر المدن تعرضا لهدم الوهابيين، وحين احتل أتباع ابن عبد الوهاب مكة، هدموا المعالم النبوية التاريخية فيها، وعملوا على هدم كل القباب والأضرحة والمقامات وكل ما وجدوه من آثار منا ما يخص التعمير الإسلامي حول المسجد الحرام.
ومع ظهور مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، وأبو الأعلى المودودي في الهند، ونواب صفوي في إيران، ارتفعت شجرة المتشددين في العالم الإسلامي، وجاءت نكسة يونيو 1967، لترتفع حظوظ الإسلام السياسي، الذي أخذ من السلفيّة ذريعة للتسويق لنفسه، ثم جاء الاحتلال الأمريكي للعراق ليطلق العنان للتيار المتشدد يسيطر على المزاج الشعبي في البلاد، بفعل الدعم المادي الكبير من حكومات خليجية وجماعات الإسلام السياسي في مختلف الدول وصولا إلى الربيع العربي في 2011.
5- الربيع العربي:

وبعد ظهور الربيع العربي وصعود التيارات السلفية في بعض مناطق العالم الإسلامي، اشتد الصراع بين التصوف والسلفية في شكل بارز.
ففي مصر على سبيل المثال، جرت تعديات كثيرة ضد المزارات الدينية المتعلقة بالصوفية من قبل أتباع الجماعات السلفية خلال عامي 2011 و2012، كما تم استهداف الأقلية الشيعية في شكل وحشي جدا، واستهداف الأضرحة وتهديد باحتفالات الامام الحسين، وكانت مذبحة مسجد الروضة بسيناء جزء تاريخ طويل من الصراع الصوفي السلفي واستهداف الأخير للصوفية.
وبعد سيطرة تنظيم «داعش» على مناطق واسعة في سوريا والعراق وإعلان الموصل عاصمة لخلافته، قامت الجماعة بهدم العديد من الأبنية الدينيّة المتعلّقة بالصوفيّة والشيعة في سوريا والعراق، كما تعرضت الأضرحة في ليبيا واليمن والصومال للهدم من قبل المتشددين والمتطرفين.
6- الصوفية والديمقراطية ومواجهة التطرف:

وفي دراسته حول الصراع الصوفيّ – السلفيّ في مصر، وذكر تقرير لمؤسّسة كارنيجي للسلام الدولي، عن الصراع الصوفي السلفي، خلاصة الصراع بين الصوفية والمتشددين حيث أن الصوفية وقفت إلى جانب التيار الليبرالي وداعمي الدولة الوطنية في مصر عقب 2011، مقابل الإخوان المسلمين وحلفائهم من الجماعات السلفيّة داعي الدولة الدينية.
وأشار التقرير إلى أن هذه التحالف بين الصوفية والتيار الليبرالي يؤكّد بدوره القابليّة الواسعة للصوفيّة لدعم الديمقراطيّة والإصلاح السياسيّ في البلدان الإسلاميّة.
ويرى الباحث في الشأن الصوفي، مصطفى زهران، أن "الطرق الصوفية تمتلك مكتبة ضخمة قادرة على سد الفجوات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لكنها مكتبة تراثية".
كما رأى المستشرق الإنجليزي رينولد ألين نيكلسون (1868م - 1945م) في دراسته عن الصوفية أنها تنبع من كونها توفر أرضا مشتركة يمكن أن يلتقي فيها ناس من ديانات مختلفة بروح التسامح والتفاهم المتبادل.
ويقول في هذا السياق، وفقا للمثبت عنه بموسوعة المستشرقين للمؤرخ الفيلسوف عبد الرحمن بدوي: «إن مذاهب الصوفية المسلمين وتأملاتهم أثرت في الإسلام تأثيرا قويا، وإلى حد ما فإنها توفر أرضا مشتركة يمكن أن يلتقي فيها أناس من ديانات مختلفة مع بقائهم مخلصين للديانة التي يؤمن بها كل واحد منهم، ويتعلمون كيف يعرف بعضهم بعضا ويحبه».
7- الصوفية وصراع النفوذ:

يرى مراقبون ارتفاع معدل استهداف الأضرحة والزوايا الصوفية في الوطن العربي والإسلامي جزءا من الصراع السياسي بين الإمارات وقطر وجماعة الإخوان، حيث تشكل تصف الإمارات حاليا بأنها الراعي الأول للطرق الصوفية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، فيما ترعى قطر تنظيم الإخوان في الوطن العربي والعالم الإسلامي.
كما أن هناك تيارات سلفية وجهادية مدعومة من قطر بالإضافة إلى الدعم السخي من السعودية للتيار السلفي، وهو ما يشير أن جزءا من استهداف الصوفية يأتي في إطار الصراع السياسي لدول عربية وغير عربية للتمدد والنفوذ.
فقد دعمت الإمارات «مجلس حكماء المسلمين» برئاسة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب» وعبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه وهما يغلب على أعضائه الطابع الصوفي، فيما تدعم قطر وإيران «اتحاد علماء المسلمين» وهو يغلب على أعضائه اتباع فكر جماعة الإخوان المسلمين، وتدعم السعودية العديد من الجماعات السلفية حول العالم.
ووفقا لما يجري في المنطقة من صراع على النفوذ، تقود الميليشيات التابعة لفكر الإخوان والسلفيين الحرب ضد الصوفيين في العالم العربي والإسلامي، وذلك يوضح لماذا تُستَهدف الصوفية في العالم العربي والإسلامي؟ وذلك لأنها تشكل التيار المقبول والمرضي عنه من قبل الشعب والدولة والعالم الغربي، الذي بات ينبذ الفكر الإخواني والسلفي.
