إحسان عبدالقدوس يكتب: قيود على الحرية
في مجلة روز اليوسف 1956 كتب الأديب إحسان عبد القدوس مقالا قال فيه:
كيف تصنع الزعامة؟ وكيف تصنع الحرية؟ إنها المبادئ.. مجموعة مبادئ تتمثل في شخص قادر على حملها وتطبيقها فيصبح زعيما.
ومجموعة مبادئ يحققها شعب فيصبح شعبا حرا، والزعامة بلا مبادئ دجل، والحرية بلا مبادئ فوضى.. ولقد صنعت المبادئ جمال عبد الناصر.. ونفس هذه المبادئ صنعت حريتنا.. حرية مصر.. حرية الشعب إذن زعامة عبد الناصر ليست زعامة بلا قيود..بل هي زعامة مقيدة بالمبادئ التي يدعو إليها.. والتي صنعت زعامته.
وحريتنا أيضا ليست حرية بلا قيود، وليست فوضى.. إنما هي حرية مقيدة بالمبادئ التي آمنا بها، والتي صنعنا بها حريتنا، وهذا ما يجب أن نفهمه جميعا، وأن نفهم حدود حريتنا.. لا الحدود التي يرسمها القانون فحسب بل الحدود التي ترسمها مبادئنا.
والقيود التي تفرضها المبادئ قيود ثقيلة مبنية على رضاء الأغلبية الشعبية وتحكم الناس بالإيمان، وليس كل الناس لهم من قوة الإيمان ما يمكنهم من تحمل القيود التي تفرضها المبادئ.
لم يتحمل كل الناس مبادئ الإيمان فظهر الكفرة، ولم يتحمل كل الناس مبادئ الاستقلال الوطنى فظهر الخونة.. والسبب أن المبادئ تهدف دائما إلى تحقيق مصالح المجموع، ومصالح المجموع تتعارض دائما مع المصالح الفردية، والأنانية الفردية.
الضرائب مثلا تجبى لمصلحة عامة هي مصلحة المجتمع لكنها تتعارض مع المصلحة الفردية، وكلما أصبحت المبادئ تهدف مصلحة طبقة أوسع كلما زادت القيود المفروضة على حرية الفرد
الفرد في الدول الرأسمالية مثلا أكثر حرية من الفرد في الدول الاشتراكية، والفرد في الدول الاشتراكية المعتدلة أكثر حرية من الفرد في الدول الاشتراكية المتطرفة.
إن إلغاء الأحكام العرفية مثلا يحرم الحاكم من حق الاعتقال، لكن هذا الإلغاء يفرض على كل فرد أن يعتقل نفسه داخل حدود المبادئ التي آمن بها وحقق بها ثورته.
وإلغاء الرقابة على الصحف يعنى أنه لم يعد للحاكم الحق في أن يرسل مندوبا عنه إلى كل صحيفة ليحذف منها ما يتعارض مع مصلحة المجموع، ويعنى هذا أن كل صحفى أصبح رقيبا على نفسه في حدود مبادئه.

