«فوتوسيشن» الصعيدي مع جدته.. 4 ساعات تعيد الروح لـ«عجوز مريضة»
في الليلة قبل الماضية، قرر"أحمد محمد" الشاب العشريني الذي يعمل في إحدى "كافيهات" محافظة المنيا، أن يأخذ قسطًا من الراحة، إجازة في غير موعدها، وخاض تجربة جديدة لا يعلمها تحديدًا، ما يعلمه فقط أنها لابد أن تكون مختلفة.
في يوم إجازته صباحًا، طرق «أحمد» باب منزل بيت جدته، فتفتحت له القابعة بداخله طوال الوقت، يباغتها بعبارة "أنا هفسحك النهاردة ياستي وهجيبلك بلالين وكوتشينة.. وهخلي المصوراتي يصورنا مع بعض"، تصوير ولعب!، كيف لسيدة صعيدية في العقد الثامن من عمرها أن تلعب وتتصور، هل جُنّ حفيدها؟!
كانت قبل أول أمس امرأة "عادية"، أكثر من ثلاثين عامًا قضتها "أم محمد" بين جدران منزلها، لا تجتاز بابه إلا لتجلس على العتبة الملحقة به، والتي أزالتها المحافظة مؤخرًا لتوسيع الشارع، أو لشراء شيء من البقال.. سيدة صعيدية من الطراز "الأصلي"، تزوجت منذ أكثر من ستين عامًا، قضت برفقة زوجها الثلاثين الأولى منها، واكتست الثلاثين الأخرى بالأسود بعدما فارقها شريك حياتها، حتى حل أمس وأصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعي بجلسة تصوير برفقة حفيدها، قلب حياتها الروتينية رأسًا على عقب، "جدتي بقالها 30 سنة مطلعتش من البيت علشان كدة اختارتها هي تتصور معايا وتفضل ذكرى جميلة طول العمر".
أربع ساعات اقتطعتها السيدة الثمانينية من عمرها، من رحم الظروف الاجتماعية والصحية التي تقيدها، تولدت حياة جديدة لا يتعدى عمرها الساعات، وكأن الحاجة «أم محمد» بعثت في عالم موازِ، في كون لم تكن تتوقع أن تُقذف فيه يومًا، "جدتي كانت خايفة تخرج من البيت، حتى التاكسي اللي أجرته ييجي يوصلنا علشان هي مبتقدرش تمشي، كانت خايفة منه وشايفاه اختراع جديد أول مرة تركبه، وإنه هيخطفنا ويطلب فدية"، هكذا يضحك «أحمد» وهو يسرد تفاصيل يوم عطلته مع الجدة، فحتى قبل دقائق قليلة كانت رافضة مترددة.
في تمام الثالثة عصرًا، كانت السيارة قد وصلت إلى الحديقة العامة بالمنيا، «أم محمد» تحمل خمس بالونات ألوان متعددة و"كوتشية" ورأسها مكلل بطوق من الورد الأزرق والأبيض، تبدو كعروس اليوم وهي متأبطة ذراع حفيدها، الذي لا يعلم ترتيبه بين 18 حفيدًا، لكنه أراد أن يطبع في ذاكرتها لحظة لا تمحيها الأيام ولا كثرة الأحفاد.
"دخلنا الساعة 3 المصور لعبنا كوتشينة وكسبتني 3 مرات، ولعبنا صواريخ في الجو ضحكنا واتصورنا، دي أول مرة جدتي تتصور في حياتها، غير صور جواز السفر والبطاقة، كنت سعيد إني قدرت أعملها حاجة محدش غيري عرف يعملها"، وبعد أن انقضت ساعات اللعب ودقت الساعة السابعة، أنهى «أحمد» مهمته التي يحضر لها منذ أسابيع، اكتسى وجه عجوز بابتسامة كانت قد نسيتها منذ ثلاثين عامًا، تهللت وملأت الشارع حيوية وبهجة، حتى أنها كانت تضحك لابنتها قائلة: "خليكي قاعدة جنب جوزك، أنا خرجت واتفسحت وأنتي لا"، فيبدو أن أحمد لم يعيدها ستين عامًا للوراء فحسب، بل عاد بها وهي في ثوب مراهقة مهيأة للمزيد من لحظات المرح.
السعادة كانت كالعدوى، التي استشرت في أرجاء الحديقة، سرعان ما انتقلت من الولد وجدته إلى المصور "عبد الله محمد"، البطل الخفي في هذه القصة، "أنا في العادي بقعد أكتر من 20 يوما علشان أخلص صور، لكن ده صورته ونزلته في نفس اليوم، كنت عارف إنه هيفرق وهيسمع، حتى وأنا بصورهم كنت حاسس بسعادة غريبة، وطول الوقت الحاجة كانت تدعو لي ولحفيدها"، فعبدالله الذي اعتاد أن يصور زوجين أو حبيبين أو أخ وأخته، وجد نفسه اليوم أمام عجوز كادت التجاعيد تنطق في وجهها، بالكاد تتحرك وبالكاد تضحك، "كنت فرحان إنها بعد قاعدة في البيت لـ30 سنة، تخرج وأنا اللي أصورها".

