الملك السابق يحكى حقيقة أسطورة صناديق الذهب
في مذكرات نشرتها الصحف الإنجليزية وأعادت جمعها ونشرها مكتبة الإسكندرية تحت عنوان ( فاروق ملكا ) تحدث الملك السابق فاروق عن ماتردد حول جمعه ثروة طائلة في صورة ذهب خرج بها من مصر عام 1952 ضمن حقائبه فكتب يقول :
خرجنا من الإسكندرية على ظهر المحروسة أنا وناريمان وبناتى وابنى الملك الصغير، والتزم جميع العاملين على السفينة المحروسة بالتعليمات التي تحتم عودتهم إلى الإسكندرية بعد وصولنا نابولى.
وفى عرض البحر اكتشفت وجود كمية كبيرة من صناديق الخمور فاستفسرت عن سبب وجودها وعلمت أن أحمد على وهو رجل تخطى السبعين كان مسئولا عن الخمور منذ عهد والدى قام بتفريغ مخزن الخمور في قصر الإسكندرية ووضعها على ظهر السفينة، وقال إنه يفضل أن يموت ولا يلمس أحد هذه الصناديق.
كانت هذه الواقعة تحديدا هي البؤرة التي تشعبت منها أسطورة الصناديق الكثيرة المملوءة سبائك الذهب التي صاحبت ملك مصر إلى نابولى على ظهر المحروسة.
هنا أريد توضيح شئ هام للقارئ الأوروبي فطبقا لقواعد البروتوكول فنحن نقدم الخمور لضيوفنا في مآدبنا الرسمية وحفلات الاستقبال التي ندعو فيها الدبلوماسيين الأجانب، لكن المصريين بصفة عامة لا يشربون الخمر لأسباب دينية.. لكن ذلك لا يعنى تقصيرنا في واجبات الضيافة، ففى كل الصور الفوتوغرافية الخاصة بالمآدب الرسمية تظهر كؤوس الخمر في أماكن ضيوفنا الأجانب، وفى أماكننا نضع كأسين واحد ماء والآخر عصير.
فيما بعد ترامت أطراف قصة هذه الخمور حتى قيل إن الأوامر صدرت بإنزالها من السفينة، والحقيقة أننا لم ننزل أي شئ وعندما وصلنا إلى إيطاليا بعت الخمور كلها لأنها كانت ملكا لنا.
أما المفاجأة الكبرى فهى اكتشافنا عدم وجود الطعام الكافى باستثناء الخبز والجبن وكان يكفى وجبة واحدة لكل منا في اليوم، وسألت بناتى متى يمكننا تناول هذه الوجبة ؟ واتفقن على تناولها في العشاء لكى نظل نتطلع إليها طول اليوم.
ورغم ذلك كتبت عننا الصحافة أننا قمنا بتجويع طاقم البحارة البؤساء بينما أتخمنا أنفسنا بالطعام.
فمن تطارده الصحافة لا يكسب أبدا فإذا لعب الكوتشينة فهو مقامر، وإذا ربح فهو غشاش، وإذا خسر فهو أحمق، وإذا رفض اللعب فهو كئيب عابس، ولم يكن أمامنا للخروج من هذه الأزمة إلا الضحك فكنا نضحك على كل شئ في هذه الرحلة.. فشر البلية مايضحك، وكان الجو رائعا صافيا فلا توجد رائحة طهى فليس لدينا شئ نطهيه، وفى الصباح وقفت منتعشا على سطح السفينة وتحدثت مع كبير المهندسين وقلت له إنه يوم جميل حقا، فقال إنه جو ملكى فليباركه الله.
لاتزال هذه العبارة عالقة في ذاكرتى وصورة أخرى لأحد أفراد الحراسة وهو يداعب ابنتى الصغيرة فادية ويمازحها لإدخال السرور إلى قلبها الصغير.
إنه نوع من البشر يتصفون بصفات تفوق أي أوسمة أو مديح خاصة أننى أصبحت لا أملك من أمرى شيئا ولا أملك حيالهم إلا العرفان والامتنان والتقدير.

