«المنجد» حرفة تواجه الانهيار بعد غلاء القطن الأبيض «تقرير مصور»
أكوام من القطن الأبيض تتراص فوق بعضها، يضرب عليها "المنجد" بعصاه الرفيعة، فتتطاير في جميع أنحاء المكان، في حالة من البهجة تغمر أصحاب المنزل، الذي غالبا ما يحتفل بعرس أو يعيد إحياء أثاثه المنزلي، في خطوة لا تتكرر كثيرا، فرغم كونها عملية شاقة ومرهقة، إلا أن نتائجها دائما مرجوة.
هكذا كانت عملية "تنجيد" الأثاث قديمًا، أدوات بدائية لا تتعدى العصا وأجولة من القطن؛ لتتطور سريعا وفي سنوات قليلة، ويتفرع التنجيد إلى "أفرنجي" و"بلدي"، وغيرهما من الأسماء، ولكن يظل صاحب الحرفة كما هو، يكتسب الحديث، ويحتفظ بالرموز القديمة.

حين كان في الثامنة من عمره، توفي والده، ولم يكن ذلك في حسبانه، ما زال صغيرًا في الصف الثاني الابتدائي، لكن كونه الابن الأكبر جعله ينقطع عن التعليم، ويتجه إلى العمل الحر لجلب الرزق له ولإخوته، "قعدت سنتين بلطش من شغلانة للتانية لحد ما اشتغلت وأنا عندي عشر سنين في التنجيد، وقعدت اشتغل صبي منجد، عند واحد في شبرا مصر 15 سنة، من أيام ما كانت أدوات التنجيد بسيطة مش زي دلوقتي"، يتحدث محمد إبراهيم، 62 عامًا، عن ذكرياته مع مهنة التنجيد التي طال عهده بها، حتى أصبح لا يعرف غيرها، بئر لا تنضب مياهه.
متابعا: "أول ما اشتغلت كنت باخد 50 قرشا في اليوم، وبعدين 15 جنيها في الشهر".

لم يقتصر عمل إبراهيم في حرفة التنجيد، ومروره بكافة مراحل تطورها، على مصر فقط، بل سافر في مطلع الثمانينيات إلى الأردن والعراق وعمل بهما في ذات المهنة، إضافة إلى العمل في تنجيد مقاعد السيارات، "سافرت العراق سنة 82، والأردن 89، ورجعت العراق تاني فضلت فيها لحد حرب 2003 اضطريت أرجع بلدي". حتى في العطلات التي كان يقضيها في مصر أثناء سفره، امتهن إبراهيم عدة مهن بجانب التنجيد، كان أهمها العمل في مجال السياحة من خلال صناعة ستائر ومقاعد الفنادق.


لم يقتصر عمل إبراهيم في حرفة التنجيد، ومروره بكافة مراحل تطورها، على مصر فقط، بل سافر في مطلع الثمانينيات إلى الأردن والعراق وعمل بهما في ذات المهنة، إضافة إلى العمل في تنجيد مقاعد السيارات، "سافرت العراق سنة 82، والأردن 89، ورجعت العراق تاني فضلت فيها لحد حرب 2003 اضطريت أرجع بلدي". حتى في العطلات التي كان يقضيها في مصر أثناء سفره، امتهن إبراهيم عدة مهن بجانب التنجيد، كان أهمها العمل في مجال السياحة من خلال صناعة ستائر ومقاعد الفنادق.

ظل يعمل في فنادق الدولة ويجوب البلاد شرقا وغربًا حتى عام 2014، حينما ضُربت السياحة في مقتل، وقنع الكثيرون أن الوضع سيستمر طويلا، والفرار هو الحل الأمثل، "قعدت في الفنادق بجانب السفر 14 سنة، لحد بالظبط 2014 السياحة بعدها اتضربت، فتحت المحل بتاعي هنا في شبرا اللي عايش فيها من سنة 1971، وبقالي 3 سنين فيه".


"سوق التنجيد كان كله بالقطن، لا كنا نعرف الفايبر ولا السوست والكلام العجيب اللي بيطلعوه ده، لكن ده بسبب ارتفاع سعر القطن"، يرى محمد أن سبب انحسار استخدام القطن في التنجيد كعادة دأب المصريون على اتباعها منذ سنوات، هو ارتفاع تكلفته وتردي الظروف الاجتماعية لمعظم فئات الشعب المصري، الناس دلوقتي بقى أفضلها تجيب المرتبة من برة حتى لو رديئة، أحسن ما تنجد وتتكلف كتير، وكله بسبب التعويم"، حيث يؤكد محمد أنه قبل أقل من عام من الآن كان يشتري قطعة الإسفنج بـ 300 جنيه، وصلت الآن إلى 800 و1000 جنيه، والقماش كان سعره 30 و40 جنيه، بات يصل لـ 300 جنيه. "الأول كنا نشتري الأنتريه بـ 1500 جنيه، بقى دلوقتي بـ 10000 جنيه، مين هينجد في الظروف دي!".


رغم انحسار المهنة وتراجع دورها بشكل ملفت للنظر، بعد أن فضل الزبون شراء الجاهز عن التفصيل، ما زال الأمل يتسلل من بين كلمات الحاج محمد لإبراهيم، "المهنة مبقاش حد يبصلها، بس أنا متأكد إن الناس هتدرك إن الحاجات دي هي اللي بتعيش"، فمهما تطورت الصناعات الآلية، يظل ـ"الهاند ميد" الرابح الأوفى حظًا.
