يوسف إدريس يكتب: مصر حزينة
في مؤلفه "خلو البال" كتب الأديب الدكتور يوسف إدريس مجموعة مقالات منها مقالا ينعى فيه شهداء الوطن قال فيه:
حزينة هكذا كانت مصر، وحزينة هكذا والحزن ليس غريبًا على مصر، أنه تاريخها وأصواتها ومنه صنعت الرجال.
منذ أن وطئ الإسكندر حضارتنا وتوالت بعده الأقدام، والحزن هو رايتنا السوداء المنكسرة أبدا.
السواد هو رداء نسائنا من قديم الزمان والرجال في جلاليبهم البيض والسود مأتمهم دائم الانعقاد، ولكن حزننا اليوم مطلقا ليس كما فات من أحزان ولا ككل الأحزان، أنه حزننا على شهدائنا على شبابنا.
هو ليس حزنا على احتلال طال، أو هزيمة حاقت، ليس عتابا للزمان، أنه الآن لغة، لغة جديدة ينحتها الشعب.
بحزننا أيها الناس على ما فقدنا نقول الكثير وبحزننا لأول مرة نفضح عن أشياء في قلوبنا، يا شعبى الذي أسكنه الحزن الطويل لينطق حين فاجأه الحزن الأكبر، الحزن على الشباب يتساقطون..
إنى لأول مرة أسمعك وأفهمك، لأول مرة أرى قلبك المكنون الأبيض، لأول مرة تتفتح لى أعماقك السحيقة فأراها وأراك.
بلغة حزنك قل إذن وانطق، خاطب عالما، يا شعبى الذي تحول إلى بحر هائج مائج ما أروع حزنك العاصف وما أنصع أعماقك!
بدموعنا المنهمرة نسطر أول الكلمات وبتعبيرنا المليء بالشجن نحفظ الرسالة ونصون الأمانة.. لقد عشنا طويلا نسمع العالم ساكتين، وآن الأوان أن يسمعنا العالم ويصغى جيدا لنا نصدره من نشيج ونزيف.
