رئيس التحرير
عصام كامل

بالصور.. فنون الخزف تتألق بالمتحف الوطني التونسي في باردو

فيتو
18 حجم الخط

يعرض الدكتور محمود رمضان - خبير الآثار والعمارة الإسلامية، مدير مركز الخليج للبحوث والدراسات التاريخية- موضوعًا مهمًا بصفحته «الصالون الثقافي» عن المتحف الوطني التونسي في باردو، بقلم الدكتور أحمد الصاوي - أستاذ الآثار والفنون الإسلامية- في إطار دعوة العالمين الجليلين لنشر الوعي بأهمية التراث الإنساني العالمي والحفاظ عليه.


يقول الدكتور الصاوي:

يقع المتحف الوطني التونسي بضاحية "باردو" التي تبعد 4 كم عن العاصمة تونس، وقد افتتح للجمهور قبل نحو 120 عاما،ويعرف على سبيل الاختصار بمتحف باردو.

ومتحف باردو هو أقدم وأهم المتاحف في تونس، وهو يتخذ من أحد القصور القديمة مقرا له، وقد بني الجزء الأكبر من المتحف في القرن التاسع عشر وما برح يحتفظ بأبهة القصور الملكية لليوم، على الرغم من إجراء بعد الترميمات والتوسعات والتحسينات لمواكبة تضخم مجموعاته الفنية من جهة وتزايد أعداد زواره من جهة أخرى، حيث بلغ عددهم مؤخرا نحو 700 ألف زائر بينهم 5% فقط من المواطنين.

وتعرض مقتنيات المتحف في 50 قاعة وجناحا أهمها قاعة قرطاج الرومانية، وقاعة "فيرجيل"، ودقة، والمهدية، والفسيفساء المسيحية، وسوسة، والمتحف العربي.

وقد نمت مجموعات المتحف بفضل الحفائر الأثرية التي أجريت بالأراضي التونسية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي تغطي مساحة زمنية كبيرة من تاريخ تونس، تبدأ من فترات عصر ما قبل التاريخ، وتشمل العصور التاريخية القديمة والوسطى وصولا لمنتصف القرن التاسع عشر، فهناك معروضات بالمتحف تعود للعهد البوني والعهود الرومانية والمسيحية القديمة، مع الفترتين الوندالية والبيزنطية،فضلا عن مقتنيات فنية ثرية تعود للعصور الإسلامية.

وتعود شهرة متحف باردو بالأساس لما يمتلكه من أكبر مجموعة فنية معروفة بالعالم من أعمال الفسيفساء القديمة، ومن أشهر مقتنياته اللوحات التي رسمها الشاعر "فرجيل"،تحيط به ربات الفن وأرضية الموزاييك التي تمثل "ديونيزوس" وهو يهدي الكرم إلى "إيكاريوس".

أما القسم الإسلامي بمتحف باردو فيحتوي على تحف تعود إلى مختلف العهود التي عرفتها تونس في تاريخها الإسلامي، ولا سيما من العصرين الأموي والعباسي وعصر دولة الأغالبة والدولة الفاطمية وعهود المرابطين والموحدين والدولتين الحفصية والعثمانية.

وتتضمن قائمة المقتنيات مخطوطات عربية وحلي ذهبية وفضية ومنحوتات حجرية وأشغال من الخشب والمعادن، فضلا عن أواني ومنتجات الفخار والخزف المختلفة.

كما تحتوي غرفتان صغيرتان حول صحن أنيق على عدة أمتعة كانت تستخدمها الأسر المحلية الحاكمة،في حين تحتوي غرفة ثالثة على مجموعة من الأدوات التي كانت تستخدم بواسطة اليهود أثناء ممارسة شعائرهم الدينية، حيث كانت هناك جالية يهودية كبيرة في البلاد تنتمي لأصول أندلسية في أغلبها وتركزت في جزيرة "جربه" بوجه خاص.

ويخضع المتحف في الوقت الراهن لخطة تطوير تهدف لرفع مستوى كفاءة العرض المتحفي للمستوى العالمي، مع إتاحة وسائل سمعية وبصرية للزوار المقدر أن يبلغ عددهم بعد أعمال التطوير مليون ومائتي ألف زائر، وتبلغ تكلفة تلك الأعمال نحو 13 مليون دولار، ساهم فيها البنك الدولي ومنحة يابانية، وتشمل الخطة توسعة المتحف ليمتد لمسافة 20 ألف متر مربع، وعرض 3000 قطعة أثرية لم يسبق عرضها من قبل.

والحقيقة أن مبنى المتحف يعد بحد ذاته أثرا فنيا يعرض بطرازه المعماري وزخارفه صورة صادقة لما كانت عليه منازل النخبة التونسية في العصور الإسلامية،والتي تبدو بمجملها شديدة القرب مما رأيناه في منازل المغرب والأندلس خلال نفس الفترة.

واللافت للنظر في مبنى المتحف الفناء الأنيق الذي تدور حوله أجنحة وقاعات المتحف،فبوسطه فوارة ماء من المرمر الأبيض تتقدمها بائكة ثلاثية العقود في كل جانب من جوانبها،وقد شيدت العقود بالنظام الأبلق (بالرخام الأبيض والأسود) بينما كسيت الجدران جميعها ببلاطات من الخزف التونسي والذي كان وقت بناء القصر يجمع في زخارفه بين التقاليد المحلية القديمة ومسحة جلية من تقاليد الخزف التركي في العصر العثماني.

ومن تلك البلاطات لوحة تؤلف منظرا لزهرية تتفرع منها رسوم أفرع وزهور نباتية داخل عقد على هيئة حدوة الفرس،وحول المنظر الرئيسي رسوم نباتية مشابهة،وقد لونت أساسا باللون الأزرق على أرضية بيضاء مع لمسات طفيفة باللونين الأصفر والأخضر، وتبدو الروح التونسية المحلية في استخدام اللونين الأخيرين، مع رسم عقد حدوة الفرس، أما بقية الرسوم والألوان فتكاد أن تكون عثمانية خالصة.

وهناك أيضا لوحة من البلاطات الخزفية تشير بكتاباتها المسجلة بخط النسخ المغربي إلى أن الدار التي تحولت لمتحف "كتب السعد على أبوابها ادخلوها بسلام آمنين"،وبها توقيع صانعها "الحميري"، وقد توجت اللوحة برسم عقد وبداخله رسم لقبة وأربعة مآذن،مما يذكرنا بالرسوم المألوفة في الفن التركي للحرم النبوي الشريف،وإن اكتست اللوحة بروح محلية خالصة تتمثل بوجه خاص في استخدام الخط المغربي واللون الأصفر الداكن.

وتضم مقتنيات متحف باردو عددا كبيرا من الأواني الخزفية سواء من تلك التي كانت تصنع بتونس أو ترد إليها من الخارج خلال العصور الإسلامية.

ومن تلك الأواني طبق من الخزف ذي البريق المعدني، تشير زخارفه بشكل واضح إلى أنه من صناعة سامراء بالعراق في القرن الثالث الهجري (9م)، وقوام الزخرفة في هذا الطبق رسم لمناطق هندسية متعددة الأضلاع تحصر بداخلها أشكال أنصاف مراوح نخيلية متكررة.

ومن المعروف أن تونس- أو "أفريقية" كما كانت تعرف في تلك الفترة - قد تلقت باعتبار تبعية حكامها من "الأغالبة" للدولة العباسية كميات كبيرة من خزف البريق المعدني، وهو أمر تشهد به مقتنيات متحف باردو مثلما تؤكده بلاطات من خزف البريق المعدني يزدان بها محراب جامع القيروان،وتعد شاهد صدق على عمق العلاقات السياسية والدينية التي ربطت بين "القيروان" وبغداد خلال القرن الثالث الهجري.

وبالمتحف أيضا عدد من أواني الخزف التركي العثماني بحكم أن تونس كانت واحدة من الولايات العثمانية، ومنها طبق من الخزف الذي كان يصنع بمدينة "أزنيك" التركية تقليدا للخزف الصيني ذي اللونين الأزرق والأبيض، وهو خزف لاقى رواجا كبيرا في مدن البحر المتوسط خلال القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة (16-17م)، ويزدان هذا الطبق برسم زهرة تحتل قاعه وتخرج منها فروع نباتية،بينما تزدان حواف الطبق بزخارف قوامها ورقة نباتية ثلاثية البتلات رسمت بشكل متكرر باللون الأزرق على أرضية بيضاء.

ويحتفظ متحف باردو ببعض نسخ قديمة من المصحف الشريف التي كتبت بالخط المغربي في مدينة القيروان، والتي كانت بمثابة العاصمة الثقافية للشمال الأفريقي بكامله.
الجريدة الرسمية