رئيس التحرير
عصام كامل

قاسم أمين و«المرأة الجديدة»


يحتل قاسم أمين في تاريخنا المعاصر مكانة مرموقة؛ فإننا لا نذكر قضية المرأة العربية إلا ونذكر معها قاسم أمين الذي بذل مجهودًا وجهدًا كبيرًا في مجال الدفاع عن المرأة، واستطاع أن يؤثر في ذلك الميدان من خلال دعوته إلى تحرر المرأة من القيود والعادات والتقاليد السلبية، ونجد ذلك واضحًا في كتابه الذي يحمل عنوان "المرأة الجديدة" الصادر منذ ما يقرب من قرن من الزمان؛ أي سنة 1900، وقبل أن أعرض لمضمون هذا الكتاب يجب أن نضع في الاعتبار الفترة الزمنية الطويلة وأن الأفكار التي سوف أقوم بعرضها قد تبدو بديهية الآن بعد مائة عام؛ أي ما يزيد على قرن من الزمان، ولكن في حينها كانت أفكارا جديدة ومثارا للجدل والنقاش، وتعتبر أفكارًا تجديدية في غير زمانها والتي أثرت ليس في مصر فقط، ولكن في العالم العربى كله، بل تجاوزت ذلك إلى كثير من بلدان العالم.


فكتاب "المرأة الجديدة" يتناول مجموعة من الفصول يعرض فيها "المرأة في حكم التاريخ، وحرية المرأة، والواجب على المرأة لنفسها، والواجب على المرأة لعائلتها، والتربية، والحجاب"، وقد أعلى قاسم أمين في هذا الكتاب من شأن المرأة وربط في مقدمة كتابه بين المرأة الجديدة والتمدن الحديث، ويقارن بين وضع المرأة الأوروبية والعربية، ورفض النظرة العربية للمرأة وإن أمرهن مقصور على النقص في الدين والعقل، وأنهن لسن إلا عوامل الفتنة وحبائل الشيطان، وأنهن ذوات الشعر الطويل والفكر القصير، وأن المرأة لم تخلق إلا لخدمة الرجل.. هكذا كانت صورة المرأة العربية من قرن في عهد قاسم أمين.

ويقارن قاسم أمين في كتابه "المرأة الجديدة "بين حال المرأة الأوروبية والمرأة العربية ويبين في ذات الكتاب بحكم دراساته السياسية والقانونية والاجتماعية العلاقة بين مشكلة المرأة من جهة والأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية من جهة أخرى.

كما يعرض تاريخ حياة المرأة في العالم ليكشف لنا أن المرأة عاشت حرة في العصور الأولى، حيث كانت الإنسانية لم تزل في مهدها، ثم بعد تشكيل العائلة وقعت في الاستعباد الحقيقى، ويوضح أنه لما قامت الإنسانية على طريق المدنية تغيرت صورة هذا الرق، واعُترف للمرأة بشىء من الحق وإن خضعت لاستبداد الرجل الذي قضى عليها بألا تتمتع بالحقوق التي اعترف لها بها، ثم لما بلغت الإنسانية مبلغها من المدنية نالت المرأة حريتها التامة وتساوى المرأة والرجل في معظم الحقوق.

ثم يتحدث قاسم أمين في كتابه "المرأة الجديدة" عن المرأة المصرية وأنها محرومة من التمتع بحقوقها الشرعية وذلك كان نوعا من توابع الاستبداد السياسي الذي كان يُخضعها وتخضع له، بل يعرض فصلا رائعًا عن حرية المرأة وعن الحجاب، من خلال تحليل اجتماعى دقيق بل يناقش قدرات الرجل والمرأة وذلك للرد على كثير من الاعتراضات التي تقوم على أساس ضرورة التميز بين الرجل والمرأة، ورفع الرجل على المرأة، ويدافع أمين في فصل آخر عن تعليم المرأة وأهميته بل يحلل تحليلًا دقيقًا للحاجة إلى عمل المرأة خاصة بالنسبة لنفسها على المستوى الشخصى والعائلى حتى لا تبقى عالة على أبيها أو أخيها في حالة عدم زواجها، وفى فصل آخر يناقش أمين "الواجب على المرأة لعائلتها" فهو يدافع عن حقوق المرأة وفى نفس الوقت يتحدث عن واجباتها، بل هناك فصل كامل عن حجاب المرأة تناوله بصورة موضوعية.

قضايا عريضة طرحها قاسم أمين في زمن كانت هناك عقول مغلقة في نظرتها للمرأة ووضعها، وعقلية أمين كانت منفتحة وما أحوجنا إلى هذه العقليات الآن في جميع المجالات وكانت آراؤه مستفيضة تناقش الواقع من خلال منظور تنويرى؛ فله الفضل في كثير من الآراء التي تخص نصف المجتمع، أدعوكم لقراءة هذا الكتاب مرة أخرى لنتذكر أن تاريخنا به تنويريين نأخذهم نبراسًا لمواصلة التنوير.
الجريدة الرسمية