رئيس التحرير
عصام كامل

نجم الدين أربكان.. الأب الروحي لـ«العثمانيون» الجدد (بروفايل)

فيتو
18 حجم الخط

في 27 فبراير 2011، وبأحد مستشفيات أنقرة، توفي مهندس الحركات الإسلامية في تركيا الأب الروحي للعثمانيين الجدد عن عمر ناهز 84 عامًا يلقّبه البعض بالمجاهد إنه نجم الدين أربكان.


حياته
نجم الدين أربكان هو الوجه الأبرز بين الإسلاميين في تركيا، وصاحب تاريخ سياسي حافل ومميّز، تنقّل فيها من نائب مستقل، إلى زعيم حزب، فأحزاب، فرئيس حكومة.. ذاق السلطة والسجن، ولد أربكان في 29 أكتوبر لعام 1926م في مدينة "سينوب" على ساحل البحر الأسود، تخرج في كلية الهندسة الميكانيكية بإسطنبول سنة 1948م، وكان الأول على دفعته فاشتغل معيدًا في نفس الكلية ثم أرسلته جامعته في بعثة علمية إلى جامعة "آخن" الألمانية وقد ابتكر عدة ابتكارات وهو يدرس في ألمانيا لتطوير محركات الدبابات، لمع اسمه كواحد من رجال الصناعة في تركيا بعدما تولى عددًا من المناصب التجارية والاقتصادية خلال عقد الستينيات من القرن الماضي.

أربكان السياسي:
بدأ أربكان حياته السياسية بعد تخرجه في كلية الهندسة، وأصبح رئيسا لاتحاد النقابات التجارية، ثم انتخب عضوا في مجلس النواب عن مدينة قوينة، لكنه منع من المشاركة في الحكومات المختلفة بسبب نشاطه المعادي للعلمانية، وكان تأسيس حزبه أول اختراق جدي لرفض القوى العلمانية المهيمنة.
في عام 1970 كان حزب "النظام الوطني" يعد من أهم الأحزاب السياسية ذا الهوية الإسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924، فقد نهج أربكان واستفادة من تجربة الأحزاب اليمينيّة "المحافظة" تحظى بتأييد قاعدة شعبيّة "إسلاميّة" التي سبقته ومنها، منها الحزب الديمقراطي الذي فاز عام 1950 في الانتخابات، بزعامة عدنان مندريس، وبدأ يسيطر على الحياة السياسيّة في تركيا، إلا أنّ الجيش قام بانقلاب في 28 مايو 1960، وقد أعدم على إثره الزعيم عدنان مندريس وبعض رفاقه.
وفي 1969 خاض نجم الدين أربكان الانتخابات مستقلًا عام 1969، عن محافظة قونية، ليون عضو بالبرلمان وتكون محطة تاريخيّة ومهمّة في حياته السياسية والتي يؤسس بعدها أوّل حزب إسلامي سياسي في تركيا، هو "حزب النظام الوطني" في 26 يناير عام 1970. 

منهجه:
ويؤكد بيان تأسيس الحزب على الماضي الإسلامي لتركيا، دون ذكر كلمة إسلام (كانت كلمة الإسلام تستبدل بمفاهيم كنظام السعادة، النظام العادل)، لحظر القانون تأسيس أحزاب على أسس دينيّة، ويشدّد الحزب على أنّ الإسلام هذا، أساس ومصدر الحياة والنظام، وكل معرفة وفضيلة، وهو شرط تحرّر ليس تركيا فقط، بل العالم كذلك، وهو بذلك يتعارض مع المفهوم العلماني التقليدي للدولة، وقد تمثّل الحزب في البرلمان من خلال أربكان ونائبين آخرين انتقلا إليه من حزب العدالة هما: حسين آقصاي (أضنة) وعارف حكمت غونه (ريزة)، للكنّ الحزب لم يعمّر طويلًا، إذ حدث انقلاب 12 مارس 1971، الذي حظر حزب النظام الوطني لمخالفته العلمانيّة. 

تجربته الثانية:
لم يصمد حزبه (النظام الوطني) سوى تسعة أشهر حتى تمّ حله بقرار قضائي من المحكمة الدستورية، فقام أربكان بدعم من التحالف ذاته بتأسيس حزب "السلامة الوطني" عام 1972، وشارك في الانتخابات العامة وفاز بخمسين مقعدا كانت كافية له ليشارك في مطلع عام 1974 في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية.
تولّى أربكان منصب نائب رئيس الحكومة، التي كان يرأسها زعيم حزب الشعب الجمهوري بولنت أجاويد، وتولّى أتباع أربكان وزارات أساسيّة، مثل الداخليّة والعدل والصناعة، وقد ساهمت مشاركة "الإسلاميين" في السلطة للمرّة الأولى في تعزيز النفوذ الإسلامي على إدارات الدولة وفي الحياة العامّة، وفي عهد هذه الحكومة تمّت عمليّة غزو شمال قبرص، التي ينسب أربكان لنفسه فضل التفكير بها والإعداد لها.

التجربة الأبرز:
عاد رفاق أربكان ليؤسسوا حزب الرفاة، بقيادة أحمد تكدال، وبتنسيق مع زعامات السلامة الوطني الممنوعة قانونيًّا من ممارسة النشاط السياسي. لكن بعد رفع الحظر عن نشاط زعماء حزب السلامة الوطني، عاد نجم الدين أربكان إلى زعامة حزب الرفاه في أكتوبر من عام 1987.

رئيس الحكومة:
بعد هذا الفوز الكاسح الذي حققه حزب "الرفاة" في الانتخابات 1996، باالحصول على الأغلبيّة البرلمانيّة (185 مقعدًا) 1996، شكّل أربكان أوّل حكومة يترأسها إسلاميّ في تركيا، حيث شكَّل ائتلافًا حكوميًّا برئاسته، وبشراكةٍ مع حزب الطريق القويم بزعامة السيدة طانسو تشيللر التي شغلت منصب نائب رئيس.
شهد عهد أربكان توقيع أهمّ الاتفاقيّات العسكريّة بين تركيا وإسرائيل، والتي كان يعارضها بشدّة قبل تولّيه الحكومة، كما انقلب أربكان على الكثير من الشعارات التي كان يرفعها فيما يتعلّق بالمسألة الكرديّة والاتحاد الأوروبي والعلاقة مع واشنطن.
وفيما أكد أربكان حرصه على عدم المساس بالنظام العلماني، اتسمت سياسته بالبراغماتيّة، فهو سعى إلى الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، وبدأ ولايته بزيارة إلى كلٍّ من ليبيا وإيران، وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنغلادش وماليزيا.

مرحلة التراجع:
بعد حظر حزب الرفاة في 1998 شهد انحسار وتراجع للدور السياسي لنجم الدين اربكان فقد أسس حزبا جديدا باسم "الفضيلة" بزعامة أحد معاونيه، غير أن هذا الحزب تعرض للحظر أيضا في عام 2000، ثم أسس أربكان حزب "السعادة" بزعامة رجائي قوطان، في الوقت الذي أسسه فيه تلامذته الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، وعبد جول حزب "العدالة والتنمية" ليكون انطلاقه قوية نحو حكم تركيا.

الأب الروحي لـ«العثمانيون» الجدد:
يعد نجم الدين أربكان الأب الروحي للعثمانيون الجدد وهم قادة تركيا حاليا ومؤسسي حزب العدالة والتمية الحاكن وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعبد الله جول.
فرجب طيب أردوغان وعبد الله جول يعد شباب حزب الرفاة والفضيلة، ولكن أصروا أن يؤسس حزب العدالة والتنمية، ليستفيدوا من تجرب أستاذهم في الوصول إلى الحكم، وكان الاقتصاد باب العثمانيون الجدد للوصل لسد الحكم وتجنب الانقلابات العسكرية.
وفي أغسطس 2008م صدَّق تلميذ أربكان الرئيس التركي عبد الله جول على عفو رئاسي يرفع عقوبة الحبس الصادرة ضد أربكان، ليعود الزعيم مجددًا إلى ساحة العمل السياسي ويتم انتخابه في أكتوبر 2010م رئيسًا لحزب السعادة، المنصب الذي ظل يشغله حتى وافته المنية في 27 فبراير 2011 في العاصمة التركية أنقرة بعد معاناة مع المرض.
الجريدة الرسمية