رئيس التحرير
عصام كامل

أيمن عبد التواب يكتب: الداخلية.. وزارة «التجاوزات الفردية»

وزارة الداخلية
وزارة الداخلية
18 حجم الخط

«تجاوزات فردية، ولن نتستر على مخطئ، وسيتم إحالة الواقعة إلى التحقيق».. ما أن تسمع هذه الجملة حتى تنسبها- على الفور- لوزير الداخلية، أو المتحدث باسمها.. وما أكثر المواقف التي قيلت فيها، وكأنها تحولت إلى «أكلشيه» ثابت، صالح للاستهلاك الإعلامي، وتهدئة الرأي العام في كل وقت وحين.


فعندما أهان «أمين شرطة» مواطنًا، جاء الرد الجاهز: «تصرف فردي».. وحينما تحرش آخر بسيدة، قالوا: «سلوك فردي».. وعندما ضرب ثالث مواطنًا، كرروا: «تجاوز فردي».. ولما سرق رابع «توك توك» من مواطن، شددوا على أنه: «تجاوز فردي»!
«تجاوزات فردية».. كثيرة هي المواقف التي اضطر فيها مسئولو الداخلية لقول هذه الجملة، أشهرها عندما اعتدى أمناء شرطة على أطباء المطرية.. وجاء ختامها «زفت» عندما قتل رقيب شرطة سائقًا بالدرب الأحمر.. وأيضا نزل المتحدث الرسمي للداخلية بشعار: «تجاوز فردي».. لكن هذه المرة «وِسْعت» منه شوية.. هيييييه.. فين زمن «التجاوز الوسطي الجميل»؟ راحت فين أيام «أبودومة»، و«الدفاس»، و«الدقشوم»؟!

«لا تحلموا بحاتمٍ جديد.. فخلف كل حاتمٍ يموت حاتمٌ جديد».. لو كانت «التجاوزات الفردية» في حدود المعقول، لكنا بلعناها، لكنها تحولت إلى «أسطوانة مشروخة»، لم تعد قادرة على مغازلة مَنْ كان له بقية من عقل.. فالتجاوزات- نتيجة الطرمخة عليها- تطورت إلى انتهاكات، ثم إلى «جرائم»؛ ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسي يخرج عن صمته، ويستدعي وزير الداخلية، ويقترح إدخال تعديلات تشريعية لضبط الأداء الأمني وعرضها على «النواب» خلال ١٥ يومًا.

سيخرج علينا مَنْ يقول: «التجاوزات» موجودة في كل المؤسسات، ومن الممكن غض الطرف عنها. صحيح، لكن بالنسبة إلى «الشرطة»، فلا يمكن التعامي عنها؛ لأنها المعنية بتنفيذ القانون، ومهمتها الأساسية حمايتنا والسهر على راحة «نور عنين الريس»، «مش كده ولا إيه؟!».

مسئولو الداخلية وضعوا أنفسهم في «مواقف بايخااااه»؛ نتيجة نفيهم العديد من وقائع الانتهاكات في البداية، ثم يعودون للاعتراف بها، بعد تسليط الضوء عليها إعلاميًا، ويخرجون علينا بالتصريح «المُعلب»: «تجاوزات فردية»؛ ما دفع كثيرا من المواطنين المتعاطفين مع الشرطة إلى عدم تصديقهم، أو السخرية منهم في بعض الأحيان، وعدم تقدير تضحياتهم.. ولو أنهم اعترفوا بالمشكلة، ووضعوها في حجمها الطبيعي، وعالجوا الداء قبل استفحاله، واتخذوا إجراءات حاسمة وحازمة ضد كل منحرف أو متجاوز، أو منتهك، ما كانوا ليشاهدوا ويسمعوا الآلاف وهم يحاصرون مديرية أمن القاهرة؛ مرددين هتافات: «الداخلية بلطجية»، و«الجزيرة فين الداخلية آهي»!
هذه الهتافات أعادتنا خمس سنوات إلى الوراء، فما الذي أوصل أهالي الدرب الأحمر، والمواطنين إلى هذه الدرجة من الغليان؟ الحالة الاقتصادية؟ أبدًا، فنحن شعب تعود على «ربط الحزام».. تدهور التعليم؟ إطلاقًا، فنحن نعرف «الفولة وما فيها».. سوء الخدمات الحكومية؟ صلي على النبي في قلبك، فمنذ متى ونحن ندققك في الخدمة التي تقدمها لنا الحكومة.. فنحن نصبر على أي شيء إلا أن تكون «الْلُّقْمَة بِإِهَانَةْ، وكَرَامَتنَا مْتِهَانَةْ»، وهو ما نجح فيه المنوط بهم حمايتنا.

تضحيات رجال الشرطة بدمائهم وأرواحهم لا ينكرها إلا جاحد، وقطع لسان مَنْ يقول في حق هؤلاء «كلمة وِحْشة».. لكن من حق الشعب أن يعرف أن مَنْ يسيء إلى الشرطة ليسوا هم الإعلاميون، أو النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي الذين يفضحون التجاوزات «الشرطية».. بل هم أولئك الذين يشوهون بطولات زملائهم الشهداء، ويتسترون على المنحرفين، ويتغاضون عن انتهاكاتهم، ويبررون جرائمهم، ويساندونهم للإفلات من المساءلة وتقديمهم لمحاكمة ناجزة..

يخطئ مَنْ يعتقد أن المواطن «غضبان» من «التجاوزات الفردية»، أبدًا، أبدًا.. المواطن غضبان بجد وهو بيشوف إن أفراد الشرطة إللي بيفرضوا إتاوة على السواقين، وبيتحرشوا بالسيدات، وبيهينوا المواطنين، وبيسحلوا الأطباء، وبيعذبوا الناس ويقتلوهم في الأقسام.. لم يحاكموا بقانون رادع، وليس بقانون يُخْلي سبيلهم بضمان وظيفتهم.. تخيل؟!

الشعب لن يسمح لـ«المنحرفين» في هذا الجهاز الأمني بالاحتماء في زملائهم الشهداء، والشرفاء.. لن نسمح لهم بابتزازنا وانتهاك كرامتنا بدعوى أن الداخلية تخوض معركة ضد الإرهاب، وأنها تتعرض لـ«مؤامرة كونية» من الإخوان و6 أبريل وقطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل.. إلى غير ذلك من المبررات التي لا تستوعبها عقولنا «المريضة».

نقول لمعالي «التجاوزات الفردية» لقد طفح الكيل، ورصيدكم من المحبة في قلوبنا يتآكل، فـ«إن كان حبيبك عسل، متلحسوش كله»، وإذا كان «عدوك يتمنالك الغلط، وحبيبك يبلعلك الزلط»، فنحن «بلعنا» من الرمل والزلط ما يكفي لبناء العاصمة الإدارية الجديدة، وألف وزارة مثل الداخلية.. و«إن كان دّه تُقُل وَدَلَع، بِزِيَادَة دَلِعْك بَاخ»!
الجريدة الرسمية