ابن حيان هل خرج عن الإسلام؟
تهمة الزندقة والإلحاد، ليست بوليدة يوم وليلة، وكلمة كافر لا تعنى من يشكك في وجود الله فقط، كما يعتقد البعض، ولكن هناك من يعتبره الحكام ورجال السلطة كافرًا لأنه يرفض أفكارهم ويتطلع لتطوير ورقى وعلم مستنير، ويرفض التخلف والجهل؛ ففى بعض قرون الحكم العربى الإسلامي، التصقت تهمة الإلحاد والكفر بكل صاحب تفكير أو رأى جديد يخالف رأى الحكام أو الفقه السائد، ومن هنا أصبحت هذه تهمة شائعة يستخدمها كل من يريد توظيفها ضد من يكره.
التصقت، تهمة الالحاد، بشكل ملحوظ، بكل من اتجهوا إلى علوم الطبيعة الاجتماعية آنذاك، فكيف يمكن ترك هؤلاء العلماء في وقت كانت مصلحة السلطة تتصالح مع المخادعين من أهل الخرافات الذين توشحوا لباس العلم، ففى زمن مؤسس علم الكيمياء جابر بن حيان، كان هناك رجال يدّعون قدرتهم على تحويل الحديد إلى ذهب، وكانوا يقومون كذبًا وخداعًا بعملية طلاء الذهب وليس بتحويل الحديد لذهب.
لذلك كان، جابر بن حيان، واحدًا من أشهر علماء الإسلام، الذين اتهموا بالزندقة والكفر، والتاريخ يشير إلى أنه اتهم بهذه التهمة استنادًا لعلاقة والده مع الحكام؛ حيث إن والده عمل في الكوفة صيدليًا وبقى يمارس هذه المهنة مدة طويلة وعندما ظهرت دعوة العباسيين ساندهم، فأرسلوه إلى خراسان لنشر دعوتهم، وعندها استشعر الأمويون خطر نشاط حيان بن عبد الله الأزدى في بلاد فارس فألقوا القبض عليه وقتلوه، وهو ما جعل الحكام في عصر أبو الكيمياء يخشون من استخدام جابر لعلمه فيما يضر مصلحة حكام ذلك الوقت.
استغل حكام عصره، حرص العامة على الحفاظ على الدين الإسلامي، في تضليل المواطنين بحجة الدفاع عن الإسلام، وبدءوا يشيعون أن الكيمياء علم محرم، ومن يعمل به كافر ولا يجوز الاستماع له أو تصديق ما يقول، وحبذا لو تم قتله، حتى يأمن الجميع من شره.
محنته
كان ابن تيمية، واحدًا من علماء الدين، الذين استغلوا مؤامرة تكفير جابر بن حيان؛ فعن الكيمياء قال ابن تيمية " ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع الجواهر والطيب، وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك ؛ مثل ما يصنعونه من اللؤلؤ، والياقوت والمسك، والعنبر، وماء الورد، وغير ذلك: هذا كله ليس مثل ما يخلقه الله من ذلك ؛ بل هو مشابه له من بعض الوجوه وليس هو مساويا له في الحد والحقيقة. وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين الذين يعلمون حقيقة ذلك !!. ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطل في العقل والدين".
ويستكمل ابن تيمية، فتواه قائلًا: " وحقيقة الكيمياء إنما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في العقل والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وكل ما أنتجته الكيمياء من منتجات هي مضاهاة لخلق الله، وبالتالى هي محرمة"!.
اختص ابن تيمية، عالم الكيمياء جابر بن حيان بالحديث، قائلًا: "وأما جابر بن حيان صاحبُ المصنفات المشهورة عن الكيماوية، فمجهولٌ، لا يعرف، وليسَ له ذكرٌ بين أهل العلم، ولا بين أهل الدين.
وايمانه الذي اتهمه ابن تيمية بالكفر، وصفه معاصروه بأنه كان كثيف اللحية مشتهرًا بالإيمان والورع وقد أطلق عليه العديد من الألقاب ومن هذه الألقاب " الأستاذ الكبير " و" شيخ الكيميائيين المسلمين " و" أبو الكيمياء".
وأكدوا أنه تلقى علومه الشرعية واللغوية والكيميائية على يد الإمام جعفر الصادق، وذكر أنه درس أيضا على يد الحميري، ومعظم مؤرخى العلوم يعتبرون جابر بن حيان تلقى علومه من مصدرين: الأول من أستاذه الحقيقى الإمام جعفر الصادق،والثانى من مؤلفات ومصنفات خالد بن يزيد بن معاوية، فعن طريق هذه المصادر تلقى علومه ونبغ في مجال الكيمياء وأصبح بحق أبا الكيمياء فقد وضع الأسس لبداية الكيمياء الحديثة، مما يعنى أنه تعلم على يد رجال دين.
ومما يدعونا للدهشة، أنه في الوقت، الذي اتهمه بعض المسلمين بالكفر، وحاولوا التبرؤ منه، قال عنه الفيلسوف الإنجليزى (باكون): (إن جابر بن حيان هو أول من علّم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء)، وقال عنه العالم الكيميائى الفرنسى (مارسيلان برتلو m.berthelot ) المتوفى سنة 1907 هـ في كتابه (كيمياء القرون الوسطى): (إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق)، وكانت كتبه في القرن الرابع عشر من أهم مصادر الدراسات الكيميائية وأكثرها أثرا في قيادة الفكر العلمى في الشرق والغرب، وقد انتقلت عدة مصطلحات علمية من أبحاث جابر العربية إلى اللغات الأوربية عن طريق اللغة اللاتينية التي ترجمت أبحاثه إليها؛ فكيف لشخص بهذه العقلية وهذا العلم أن ينكر وجود الله ويكفر به.
ويبقى، الآن، أن نتعرف أكثر على حياة "جابر بن حيان"، والملقب بأبى الكيمياء لكونه أول من استخدمها عمليًا في التاريخ.
ولد في مدينة طوس في عام (101هـ - 721م) وكان والده يعمل في العطارة وكان جابر يساعد والده في العمل منذ الصغر وتعلم من والده كل ما يتصل بعلم النباتات والدواء وصناعته واطلع على كتابات الفلاسفة في الكيمياء والطبيعة والفلسفة والتنجيم والفلك وهو لا يزال صبيًا.
عندما بلغ عامه الثلاثين انتقل هو وأسرته إلى الكوفة والتي كانت عاصمة الخلافة الجديدة وقتها قبل بناء بغداد،حيث كان يريد التوسع في طلب العلم. وعن طريق الإمام جعفر الصادق حصل ابن حيان على نسخة كتاب "القراطيس" اليونانى والذي ترجمه أحد الرهبان السريان. وتعلم جابر من الإمام الصادق الكثير من علم الكيمياء والذي كان وقتها مشوبًا بالكثير من الخرافات والاعتقادات في السحر، وكان وقتها حلم الكيميائيين القدامى تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة كالذهب.
كان جابر يعمل في الكوفة في العطارة مهنة والده، وقد خصص مكانًا في المنزل لمعمله الخاص بالكيمياء جعل فيه فرنا خاصا لصهر المعادن، اكتشف في هذا المعمل العديد من الأحماض واخترع فيه آلات تساعده على ابحاثه وكتب فيه أهم مؤلفاته. كذلك يعتبر أول من وضع الأساس لعلم السموم حيث كان أول من بحث عنها وعن الطرق التي تدفع أضرارها.
منهجه العلمي
كان صاحب منهج علمى رصين، وكان يوصى تلاميذه بالاهتمام بالتجربة وعدم التعويل إلا عليها مع التدقيق في الملاحظة والاحتياط وعدم التسرع في الاستنتاج، ومن أقواله لتلاميذه: "وأول واجب أن تعمل وتجرى التجارب لأن من لا يعمل ويجرى التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليك يا بنى بالتجربة لتصل إلى المعرفة" ومن أقواله أيضًا "ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير ولكن بجودة التدبير فعليك بالرفق والتأنى وترك العجلة، واقتف أثر الطبيعة فيما تريده من كل شيء طبيعي".
والمنهج العلمى عند جابر بن حيان يقوم على قاعدة علمية راسخة، فالعلم عنده يسبق العمل، فليس لأحد أن يعمل ويجرب من دون أن يعلم أصول الصنعة ومجالات العلم بصورة كاملة، ولذلك تفوق على علماء اليونان في وضع التجربة أساس العمل وعدم الاعتماد على التأمل الساكن، ومن أقواله هنا "وملاك هذه الصنعة العمل، فمن لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشيء أبدًا، ولذلك أرجع علماء الغرب ابتكار المنهج التجريبى في الكيمياء إلى جابر بن حيان وأرجعوا إليه أيضًا فضل تطور الكيمياء وانتقالها من صنعة الذهب الخرافية إلى طور العلم التجريبى في المختبرات، حيث إن موضوع الحصول على الذهب لم يشغله عن غيره من النواحى العلمية الأخرى.
وفاته
تشير معظم الروايات إلى أنه توفى في السجن إثر نكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد فهل يستحق من يصل إلى هذه الدرجة العلمية الرفيعة أن تنال منه الاتهامات الباطلة ويرمى في السجن ويهتك داخله.
