رئيس التحرير
عصام كامل

«المعركة الصامتة» لترقيات عبد الحكيم عامر.. من «صاغ» إلى «مشير» في 5 سنوات فقط!

عبد الحكيم عامر
عبد الحكيم عامر
18 حجم الخط

«عبد الحكيم عامر نصف فنان ونصف بوهيمي ولطيف جدًا ولكنه (عسكريا) توقف عند رتبة صاغ، أي أنه يستطيع أن يقود كتيبة لكنه لا يستطيع أن يقود جيشا».. في 26 كلمة لخص الأستاذ محمد حسنين هيكل سلسلة ترقيات لواحد من أكثر الضباط الأحرار نفوذًا وعلاقة بالزعيم جمال عبد الناصر.


سنوات وراءها سنوات أخرى أو عمل بطولي وطني ربما تكون سببًا قويًا لترقية أحد ضباط الجيش لكن أن تحصل على ترقية من صاغ «رائد» إلى لواء متخطيا ثلاث رتب دفعة واحدة أمر ليس بالهين داخل أروقة المؤسسة العسكرية بل زادت الحيرة مع ترقية «عامر» إلى فريق عام ثم «مشير» كل ذلك خلال 5 سنوات فقط، في حين يستغرق آخرون 20 عامًا للوصول إلى هذه الرتبة.

تاريخيا.. التحق عبد الحكيم عامر المولود عام (1919) في المنيا بالكلية الحربية عام 1939، وبعد حرب 48 حصل على نوط الشجاعة، قبل أن تتم ترقيته «استثنائيا» مع صلاح سالم، ما دفع البعض للربط بين هذه الخطوة وخاله محمد حيدر باشا وزير الدفاع أثناء «حرب فلسطين».

لم تكتمل 5 سنوات حتى تمت ترقيته من رتبة صاغ (رائد) إلى لواء، ليصبح قائدًا عامًا للقوات المسلحة (34 عامًا فقط)، ثم عام آخر ليتم تعيينه وزيرًا للحربية مع احتفاظه بمنصبه في القيادة العامة للقوات المسلحة ورقي إلى رتبة فريق عام 1958، وفي العام نفسه مُنح رتبة «مشير» والقائد الأعلى للقوات المشتركة (مصر وسوريا).

كثير ممن تحدثوا عن «سلم ترقيات عامر» رأوا أنه كان «كارثيا» بكل المقاييس، فالرئيس الراحل محمد نجيب رأى فيها محاولات من عبدالناصر لـ«تقليم أظافره» بتصعيد أكثر المقربين له «عبد الحكيم» وصديق عمره ليتولى المهام العسكرية.

كتابات أخرى، اعتبرت اختيار «عبدالحكيم» قائدًا عامًا للجيش أثار معركة صامتة بين أعضاء مجلس قيادة الثورة، فعبداللطيف البغدادي اعتبرها مناورة من عبدالناصر لتعزيز نفوذه الشخصي في مواجهة باقي أعضاء المجلس، فعمد صديقه الحميم ولا بد أنهما معا سوف يستقويان لبعضهما البعض ضد الجميع وهو ما حدث فعلا.
«ناصر» كان يدرك أن إعلان تعيين «صديق العمر» بهذه الطريقة، سيقابل بالرفض والمعارضة من جانب «محمد نجيب»، فربط جمال عبد الناصر هذا القرار بقرارات أخرى تكون أكثر جاذبية لاهتمام الناس، تضعف من صلابة المقاومة، عند محمد نجيب وزملائه في مجلس القيادة.

ومن هنا كان الربط بين ترقية عبدالحكيم قائدا للقوات المسلحة وبين إعلان الجمهورية وتعيين محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر إلا أن «نجيب» اعترض وبشدة على تعيين عبد الحكيم عامر، المثير للدهشة أن من المئات من أصحاب الرتب الأقدم الذين قفز فوقهم عبدالحكيم عامر لم يعترض أحد منهم بشكل إيجابي، إلا اللواء حسين محمد قائد السلاح الجوي.

ما سبق يؤكد أن الباقين لم يجرؤ منهم أحد على الاحتجاج، لأن مصير المعترضين السابقين كان معروفا للجميع خصوصا ضباط المدفعية الذين اعتقلوا في 15 يناير 1953، عندما اعترض البكباشي حسن الدمنهوري على هذا الاعتقال تم اعتقاله في 17 يناير 1953.

ثمة تقارير أخرى، تحدثت عن القائد العام «عبد الحكيم عامر» كان يستيقظ بعد الظهر يوميا، وترك أمور مكتبه لشمس بدران، فكما كان سامى شرف معه ختم عبد الناصر لآخر أيامه، كان شمس معه ختم عبد الحكيم منذ أول أيامه، ينقل ويرقي ويسجن من يشاء.

مكتب «المشير» كان مسئولا عن شئون الأفراد والبعثات والخدمات الطبية وسفر الضباط للعلاج وأمن الجيش، وكانت تتبعه إدارة شئون الضباط والمخابرات الحربية، فضلا عن مسئوليته في تعيين الضباط في وظائف مدنية، وانفرد شمس بدران بكل أمور مكتب القائد العام واختصاصاته، فأصبح مكتب المشير مسئولا عن التجاوزات التي وقعت في الجيش وفى مصر كلها.

الأكثر قلقًا منذ ذلك أن الجيش بقيادة عبدالحكيم أصبح مصدرًا للقوة والضغط على عبدالناصر نفسه، وعلى جميع المسئولين في الدولة عند اللزوم، ومارس عامر هذه اللعبة عدة مرات وانتصر فيها على عبد الناصر إذ أصبح لـ«عامر» بعد عام 1962 جزءًا من المصاريف السرية مثل رئيس الجمهورية تمامًا، واستمرت سلطته ومسئوليته تجاه القوات المسلحة كما هي.

ما زاد الطين بلة، أن حياة «المشير عامر» كانت بعيدة أيضًا عن الانضباط العسكري، بل لعله كان يكره في حياته هذا الانضباط، فقائد الجيش كان يأوي إلى فراشه كل ليلة مع مشارف الفجر، ويترك الأوراق المهمة والمذكرات مهملة يوقعها في أي مكان أو لا يوقعها ولا بد للقائد أن يكون أشد الناس انضباطًا، بحسب ما ذكره الكاتب الصحفي عبد الله إمام في كتابه «ناصر وعامر».

أحد المشاهد الفوضوية لـ«عبد الحكيم» أيضًا تمثل في أنه عندما يذهب إلى مجلس الأمة توضع أمامه «طفاية» السجائر فهو الشخص الوحيد الذي دخل هذه القاعة منذ أنشأت في عهد الخديو إسماعيل، وتم استثنائه من قرار حظر التدخين، إذ كان لا يطيق أن تفارقه السيجارة لحظة واحدة حتى في الأماكن التي يحظر فيها التدخين.
الجريدة الرسمية