أيمن عبدالتواب يرصد: «4 مشاهد» لـ«تورط الشرطة» في حماية الفاسدين.. اتفاق «عرفي» بين «الأمناء» والبلطجية والباعة الجائلين.. سيارات بدون لوحات في حماية رجال المرو
الشرطة تستطيع أن تطهر شوارع المحروسة من الباعة الجائلين، ومن السيارات «المركونة» صف «أول وتاني وتالت».. تستطيع أن تزيل العمارات المخالفة في أحياء ومدن الجمهورية.. تستطيع أن تمنع العشوائيات.. أن تستأصل شأفة «دولة البلطجة».. أن تقضي على «مافيا الميكروباص».. أن توقف التعدي على نهر النيل، وعلى الأراضي الزراعية.. أن تحد من العمليات الإرهابية، وتلقي القبض على القتلة والسفاحين والنصابين والمحتالين والدجالين، وكل الخارجين على القانون.. تستطيع أن تفعل كل ذلك وأكثر.. لو أرادت ذلك، كما فعلت في وسط القاهرة، وميدان رمسيس.
لكن هناك مشاهد تشير إلى تورط عدد من أفراد الشرطة في الفساد، بل إنها في بعض الأحيان ترعى الفساد، وتشجيع الفاسدين، سواء بالتزامهم الصمت حيالهم، أو تغاضيهم عن انحرافهم وتقاعسهم عن تنفيذ القانون ضدهم، أو- كما في بعض الأحيان- مشاركتهم واقتسام «الغنائم» معهم.. وهناك أربع وقائع عايشتها، وكنت شاهدًا عليها، تشير إلى أن الفساد يتم بـ«رعاية» رجال من الشرطة، وتحت سمع وبصر الأجهزة المعنية.
اتفاق بين «الشرطة» والباعة الجائلين
نحو الساعة العاشرة من صباح السبت الموافق 25 أبريل الماضي، كان ميدان السيدة عائشة تحول إلى مولد عشوائي.. فالشوارع احتلها سائقو الميكروباص والباعة الجائلون.. والأتوبيسات، وجميع أنواع السيارات والدراجات النارية، وكتل اللحم البشري المتداخلة في هذا المشهد تشكل فيما بينها لعبة «بازل» يصعب حلها.
كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من ضباط وأمناء الشرطة القابعين أمام نقطة الارتكاز الأمني أسفل كوبري السيدة عائشة، لكن بعضهم ترك الشارع وتفرغ للجلوس على الكراسي بجوار زملائه، وبعضهم الآخر كان مشغولًا بالحديث في الموبايل!
فجأة تكهرب الجو.. الضباط والأمناء دبت فيهم الحياة من جديد، فهبوا واقفين، وانتشروا في الإشارات، وتعالت صرخات أجهزة اللاسكي.. الكل يحاول تنظيم المرور.. أحد «الأمناء» يتودد إلى سائقي الميكروباص طالبًا منهم الابتعاد عن قلب الميدان.. وأمين آخر يصرخ في الباعة الجائلين: حوكشة، بريزة، صالح، حسين، ادخلوا الجنينة دلوقتي.. فترد عليه أصوات متداخلة: مش هينفع يا باشا، دي ساعة صبحية، ولسه مستفتحناش.
- معلش.. ادخلوا الجنينة دلوقتي وهنرجعكم تاني.
- طب اصبر علينا شوية يا باشا.
- مش هينفع.. الراجل الكبير هيعدي دلوقتي.
- خلاص يا باشا.. هنرجع عشان خاطرك، لغاية لما يغور في داهية.
لحظات واختفت «العشوائية»، و«الزحام» من الميدان.. وما أن مرَّ موكب «الراجل الكبير»، حتى نادي الأمين على الباعة الجائلين والسائقين؛ ليعودوا إلى أماكنهم.. وكأن هناك اتفاق «عرفي»، غير مكتوب بين الأمناء والباعة الجائلين وبلطجية الميدان.
سيارات بدون لوحات في حماية «المرور»
في مساء يوم آخر من أيام أبريل الماضي، وتحديدًا في موقف «البساتين- صقر قريش» بالسيدة عائشة، استوقفني وجود «خمسة ميكروباصات»، «ثلاثة» منهم بدون «لوحات معدنية» تمامًا، و«اثنان» لا يحملان لوحات «خلفية»، بينما اللوحة «الأمامية»، تبدو وكأنها ممسوحة بـ«فعل فاعل»، ربما هربًا من المخالفة مرورية، حال تسجيلها، أو هربًا من جريمة جنائية، حال ارتكابها..
الغريب- أو ما ظننته غريبًا- أن سائقي هذه الميكروباصات كانوا يمارسون عملهم في «تحميل» الركاب، أمام سمع وبصر أحد «أمناء الشرطة»، الذي كان ممسكًا بـ«دفتر المخالفات» وجهاز «لاسلكي».. وللوهلة الأولى، ظننت أن «الأمين» سيستدعي «الونش»؛ ليسحب هذه الميكروباصات، لخطورتها على الأمن العام، أو خوفًا من أن تقع في يد «إرهابيين»، يستغلونها في أعمال «التفجير».. لكن المفاجأة أن «الأمين» دخل مع السائقين في وصلة «مزاح»، وتبادل «الشتائم» معهم، لكنها شتائم تعبر عن علاقة «محبة وود» بين الطرفين.
لم أتمكن من تصوير هذه اللحظات- خوفًا على حياتي- وانتظرت نحو عشر دقائق إلى أن ابتعد الأمين عن «الموقف»، فذهبت إليه- متصنعًا البلاهة- وقلت له: إلحق يا باشا أنا شوفت ميكروباص من غير لوحات فيه ناس كتير، وممكن يكونوا «خاطفين» حد.. لكنه طمأنني قائلًا: خطف إيه يا أستاذ.. دا ميكروباص، ودول ركاب!! فشكرته وانصرفت.
مزاد بـ«الصاغ» في حماية الشرطة
مازلنا في السيدة عائشة.. عشوائية الميدان لم تتغير.. وزاد من الزحام احتلال مجموعة من «النصابين»، تضم نحو «عشرة» أفراد، جزءًا من الرصيف المواجه لـ«نقطة الارتكاز الأمني» أسفل الكوبري، وجلبوا «ترابيزة» خشبية متهالكة، مغطاة بمفرش قماش متسخ، ووضعوا عليها بعض الأجهزة الكهربائية، وأجهزة الموبايل، وماكينات حلاقة.. زعموا أنها من «مصادرات الجمارك»، وأنهم يبيعونها للجمهور بـ«أقل من ربع ثمنها الأصلي»، عن طريق إقامة مزاد بـ«الصاغ»، أي بالزيادة بـ«القرش»، رغم إلغائه.
طريقة هؤلاء «النصابين»، لبيع بضاعتهم للمواطنين «المخدوعين»، بأضعاف أضعاف ثمنها الحقيقي، تعتمد على وجود «شخص» منهم «طلق اللسان»، يدعو إلى «المزاد» الوهمي، الذي يزعم أنه يقام لصالح مصلحة الجمارك، وتذهب حصيلته إلى خزانة الدولة.. بينما بقية أفراد «العصابة» يتحلقون حول «الترابيزة»؛ مستغلين «تجمع» المصريين حول «أي زحمة»، ويتولون إقناع «الضحايا» بمصداقية هذا المزاد.. وأنهم حصلوا- مثلا- على موبايل «سامسونج S5» بـ«150 جنيها» فقط، لمجرد أنهم اشتروا «ماكينة حلاقة» كهربائية بـ«90 جنيهًا».
هنا ينتظر الضحية، على أمل الفوز بمثل هذا الموبايل، بينما يستمر «النصاب» في البيع «الوهمي» للبضاعة «الثمينة» لأفراد عصابته.. وعندما يستشعر أن «الزبون» استوى، يعرض النصاب «ساعة حائط»، بسعر «74جنيهًا و99 قرشًا»؛ موجهًا كلامه لـ«الضحية»، الذي يجد نفسه ينطق «75 جنيهًا»، و«يدبس» في ساعة لا تساوي 20 جنيهًا، وينتظر «الموبايل» الذي لا يباع إلا لـ«أفراد العصابة».
راقبت هذا المزاد لعدة أيام.. فوجدت مجموعة «النصب» كما هي.. وسمعت من أحد المواطنين يتهمونهم بـ«النصب»، وهنا التقطت هذه «التهمة» وذهبت إلى أحد «أمناء الشرطة»، الواقفين إلى جوارهم، وقلت له: يا باشا الناس دول باين عليهم نصابين.. فقال لي: لو عاوز تبلغ عن حاجة روح للظابط إللي قاعد في النقطة تحت الكوبري.
ذهبت إلى الضابط، كان يبدو أنه في العقد الرابع من عمره، لكن ما زال يحمل رتبة «نقيب»، قصصت عليه الحكاية، لكن لم أخبره بهويتي، فسألني: اشتريت منهم حاجة؟ فقلت لا.. فأخبرني أنه لا يمكنه فعل أي شيء حيالهم، طالما أنه لا يوجد «بلاغ» ضدهم.. فسألته عن احتلالهم لـ«الرصيف»، فأخبرني أن هذه مهمة شرطة «المرافق».. فسألته عن الحل، فنصحني بالذهاب إلى المقدم «أحمد يسري»، بقسم «الخليفة» وتقديم بلاغ عنده.. فقلت لنفسي: إذا كنت ضيعت ساعة ونصف من وقتي لمجرد إبلاغ الضابط المتواجد في الميدان، فكم من الوقت سيضيع عندما أذهب إلى القسم؟
شكرت الضابط وانصرفت.. وأنا أتساءل: أين دولة المؤسسات التي يتحدث عنها الرئيس السيسي، ورئيس الوزراء إبراهيم محلب؟ فإذا كانت وزارة واحدة «الداخلية»، لا يوجد تعاون أو تنسيق بين قطاعاتها، فأي تعاون وتنسيق بين الوزارات المختلفة؟
احتلال الشوارع أمام حي وشرطة المقطم
الواقعة الرابعة جرت وقائعها في «المقطم»، فأمام مبنى الحي، ومجمع الخدمات والشرطة، وجدت عشرات من العاملين في المقاهي الممتدة من محطة المفارق وحتى موقف الأتوبيسات، يستجيبون لـ«نداء» أحد الأشخاص الذي يرتدي زيًا مدنيًا، ويرفعون الكراسي والطاولات من «نهر الشارع»، كما وجدت «التكاتك»، والميكروباصات التي لا تحمل لوحات معدنية، تهرب من المكان، وأصحابها يفسحون الطريق أمام المارة والمركبات المرخصة..
استفسرت من «المارة» عن سر هذا «الالتزام» المفاجئ، فأخبروني بأن أحد الأشخاص أبلغ أصحاب المقاهي بموعد مرور «حملة مكبرة» من المرافق والمباحث والمرور والصحة والبيئة، ليأخذوا حذرهم.. دقائق وظهرت الحملة، وبدأت تنفيذ مهامها.. ورفعت كرأسي وطاولات متهالكة، وأزالت بعض الإشغالات، وحررت محاضر لبعض العمال وأصحاب المقاهي.. وبعد أن أنهت الحملة عملها، «عادت ريمة إلى عادتها القديمة».
عدد من الأهالي اتهموا بعض موظفي الحي وأمناء شرطة بالمقطم، بتلقي «رشاوي»، وتخصيص «رواتب شهرية» لهم من أصحاب المقاهي «غير المرخصة»؛ للتغاضي عن مخالفاتهم، واحتلالهم الشارع، وهؤلاء الموظفين والأمناء هم الذين يتولون «إخبار» المخالفين بموعد «الحملات» التي يشنها الحي، أو المحافظة، أو مديرية الأمن.
هذه المشاهد تطرح عشرات الأسئلة، التي تقودنا في النهاية إلى المقدمة، أن الحكومة تستطيع لو أرادت، أو طبقت القانون على الجميع، ورفعت حمايتها عن بعض الفاسدين.
