رئيس التحرير
عصام كامل

الحرافيش للحكومة: «ارحموا من في الأرض»

الساخر
الساخر
18 حجم الخط

عن غير قصد تظهر أمامى ملامح الوزراء واحدا تلو الآخر كلما جلست لأقرأ رسائل الحرافيش، وعن غير عمد أجدنى “ألضُم” من ملامحهم لتجلو لعينى صورة واحدة مكتملة، فتتجسد أمامى داخل ضريح مجلس الوزراء، وهى صورة “مولانا” المهندس إبراهيم محلب رضى الله عنه وأرضاه؛ لأظل أناجيه وأستدعى بركاته كى تحل على هؤلاء الحرافيش من أصحاب الرسائل التي يئن أصحابها من تجاهل الحكومة لهم ولمشاكلهم وأناتهم، وأظل أناجى مولانا وأتوسط به للمولى كى ينعم على هؤلاء الغلابة من أبناء الوطن بالعيش الكريم، وأن يذهب عنهم الهم والكدر من عناء مشاكلهم الحياتية التي لا تنتهى منذ بدايتها مع مولدهم.
ففى مصر يظل الفقير في معاناة دائمة رغم أنه -هو ذاته- من نصفه بأبو ضحكة ترد الروح، وهو نفسه من نتغنى به عندما نريد أن نصف المصرى الأصيل، وهو عينه من قالت في حقه المطربة “ياسمين الخيام” أعرفه من بين مليون إنسان.
فالمصرى الأصيل هو ابن الحارة والقرية والعشوائيات ولم يتغنَّ أحد يوما ما بمسئول في ديوان أو وزير في حكومة اللهم إلا إذا كان رئيسا للجمهورية، وهذا من باب المجاملة، وقليلا ما تجد من يستحق على مر التاريخ.
وأفيق من كل تلك التفاصيل.. وأجدنى أتفحص الرسائل.. وأتنقل بين الهموم، فأعود من جديد لأقرأ واحدة تلو الأخرى حتى أستقر على إحداها لتنال حظها في النشر.
ومن بين تلك الرسائل التي وصلتنى هذا الأسبوع كانت هذه الرسالة التي سأعرضها عليكم في السطور القادمة دون حذف أو إضافة:
عزيزى الحرفوش الكبير.. تحية لك منى بعدد وزراء الحكومة والمحافظين ورؤساء المدن والأحياء والقرى والنجوع، لكنها تحية خالصة لوجه الله لا تحمل معاناتى مع كل هؤلاء.
ستتساءل يا سيدى ما بال هذا الرجل يعانى من كل مسئولى الجمهورية مرة واحدة، وستقول لنفسك أتراه يسكن في شقة بعرض البلاد كى يتعامل مع كل هؤلاء!
لكنى سأنقذك من عناء الاستفسار والسؤال، فأنا يا سيدى واحد ممن يلقبونهم بـ”عمال التراحيل” أتنقل من محافظة لمحافظة ومن مدينة لمدينة ومن قرية لأخرى، فأرانى عملت بمعظم أحياء الجمهورية يأخذنى مقاول ويسلمنى لآخر أو ينتهى عملى معه فأجدنى في عمل آخر.. المهم أننى لا أفقد العمل اليومى كى لا تنقطع عنى “اليومية” التي أقتات بها أنا وزوجتى وأمى وأبنائى الذين لا أراهم إلا عقب انتهاء كل “مقاولة” لا أعرف متى ستبدأ ومتى ستنتهى.
أعلم أنك ستقول لذاتك: “وهل ما زال هناك عمال تراحيل في هذا الزمن؟”
وسأقول لك نعم يا سيدى هناك من هم مثلى ما زالوا لا يستطيعون الاستقرار في منازلهم لأنه ببساطة لا توجد لنا لقمة عيش في تلك الأماكن ولم تتوفر لدينا إمكانيات لنقل أبنائنا، حيث نعمل فنظل نحترف البعد حتى يصبح صديقا لنا ولأبنائنا.
ولقد كتبت لك هذه الرسالة يا سيدى من أجل هؤلاء الأبناء الذين يحيون -ولن أقول يعيشون أو يسكنون- في إحدى قرى محافظة أسيوط الفقيرة جدا.
أبنائى ووالدتى المريضة يريدوننى بجوارهم، وزوجتى ناشدت “طوب الأرض” في أسيوط كى توفر لى عملا يعيدنى إليهم، لكن دون جدوى.
وبينما كنت جالسا للراحة من عناء العمل وتناول وجبة الغداء وإذا بعينى تذهب إلى عبارة “رسائل الحرافيش للحكومة” المكتوبة على ورقة الجريدة التي افترشناها لنضع عليها الطعام.
قرأت الرسالة فأخذنى المكتوب إلى معاناتى وجسدها أمامى، ولأننى تعلمت في “كتاب” قريتنا وأجيد القراءة والكتابة، بل وأكتب الشعر وأقرأه جيدا وأتذوق معانيه عرفت أنها من جريدة “فيتو” التي اشتريتها وحصلت على عنوان مقركم وجلست لأكتب لك هذه الرسالة متمنيا أن تصلك وتحوز رضاك فتتوقف أمامها.
وأمنيتى منك يا سيدى في حال إتاحة الفرصة للنشر أن تنشرها موجهة للحكومة تحت عنوان “ارحموا من في الأرض” وتناشدهم فيها بأن يوفروا لى مسكنا في بلدى وعملا أيا كان نوعه يضمن لى معاشا في حياتى ولأبنائى بعد مماتى.
فقد عرض علىّ بعضهم أن أحصل على معاش الضمان الاجتماعى مثل كثيرين بمجرد أن أحصل على شهادة مرضية من طبيب المستشفى الحكومى أيضا.
ومع أن هذا أمر يسير والحصول عليه في متناول الجميع، إلا أننى لا أود أن أعيش على حساب “تمارضى” وأطعم أبنائى من معاش يعتمد على الكذب والادعاء، فالرسول الكريم يقول فيما معناه: “لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا”.
هذه رسالة من حرفوش حر يريد أن يعيش بكرامته حتى لو ظل غريبا يتدبر لقمته الحلال بالكد والعرق وعناء الغربة.
وفى النهاية لك سلام ورحمة من الله وبركات.
الجريدة الرسمية