رئيس التحرير
عصام كامل

سد النهضة وفوضى الحدود.. تداعيات الأحداث الدامية في تشاد على مصر والسودان

السيسي وديبي
السيسي وديبي
مصائب قوم عند قوم فوائد.. هذه المقولة تنطبق إلى حد كبير على مكاسب إثيوبيا من الأحداث الدامية التى تشهدها دولة تشاد، ونذر الفوضى عقب مقتل الرئيس إدريس ديبي.


الجارة الأفريقية التى انفجرت فيها الأوضاع الداخلية بين ليلة وضحاها، باتت مثل المغناطيس الذي يجذب أنظار العالم، وانتقلت عيون المراقبين من أديس أبابا إلى أنجامينا.

جرائم آبي أحمد 
وخلال الفترة الماضية ركزت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى، على جرائم نظام رئيس الوزراء آبي أحمد علي، فى حق سكان أقليم تيجراي عقب المجازر المروعة والانتهاكات التي ارتكبتها القوات والميليشيات الإثيوبية مدعومة بعناصر مسلحة من إريتريا، كما أن العالم بات أكثر انشغالًا بسلوك أديس أبابا وسط المخاوف من تطور أزمة سد النهضة وجر المنطقة إلى حرب مياه مع دولتي المصب "مصر والسودان".

تطور أحداث تشاد 
مع التطور الحادث فى تشاد انتقلت بورصة الحذر الدولى إلى الدولة الأفريقية الأكثر أهمية، ما يخفف الضغوطات الدولية على نظام آبي أحمد، لفترة طويلة تضمن له الاستمرار فى مجازره بحق شعبه وممارسة ديكتاتورية فى حرمان الشعبين المصري والسودانى من حقوقهما التاريخية فى مياه النيل.

أيضًا من المكاسب التى تحققت لإثيوبيا من أزمة تشاد، دخول السودان فى دوامة القلق من التطورات الراهنة بالجارة تشاد، ما يعد بمثابة فتح جبهة توتر خارجية جديدة لدولة تعانى من ويلات نظام بائد دمَّر اقتصادها وتسبَّب فى تصدع جيشها، وحاليًا باتت دارفور أكثر أهمية لها خشية تسلل عناصر تشادية مسلحة تعيد ذكريات الحرب الدامية لأراضى البلاد، وتجعلها تنصرف بشكل مؤقت عن الصراع الحدودي مع إثيوبيا حول منطقة الفشقة الكبرى والصغرى، وما تمارسه العصابات الإثيوبية هناك من استيلاء على الأرض الخصبة ورفض أديس أبابا وضع العلامات الحدودية مع الخرطوم فى تعنت يضاف إلى تعنتها السياسي فى أزمة سد النهضة.

قلق السودان 
وبطبيعة الحال يترقب السودانيون التطورات المتسارعة التي تشهدها الجارة تشاد، عقب إعلان مقتل رئيسها إدريس ديبي الذي حكم البلاد لمدة 30 عامًا، وسط قلق من حدوث حالة فوضى على حدودهم الغربية.

ويبدو السودان أكثر تأثرًا بمجريات الأحداث باعتبار أن تشاد الجارة الغربية له، وتتاخم إقليم دارفور الذي يعاني من هشاشة أمنية وعدم استقرار منذ عقود.

ويشهد إقليم "دارفور" نزاعًا مسلحًا بين الجيش السوداني والحركات المسلحة، خلَّف 300 ألف قتيل وشرد نحو 2.5 مليون شخص، الآلاف منهم لجؤوا إلى تشاد، بحسب إحصائيات أممية.

وحذر حاكم ولاية غرب دارفور محمد عبد الله الدومة، أمس الأربعاء، من دخول لاجئين تشاديين إلى ولايته الواقعة غربي السودان.

وأضاف أن حكومة غرب درافور "تتحسب لكل شيء، والأجهزة المختصة ستتخذ إجراءات في غضون الساعات القادمة لتأمين الحدود بين البلدين".

فيما دعت وزارة الخارجية السودانية كل الأطراف في تشاد إلى التهدئة ووقف القتال.

وقالت في بيان الثلاثاء: "نتابع بقلق بالغ تطورات الأحداث في الشقيقة تشاد، والصراع المحتدم بين القوات الحكومية وقوات المعارضة على السلطة".

مجلس السيادة 
فيما نعى مجلس السيادة السوداني، الرئيس ديبي، لافتًا إلى دور الراحل في استقرار السودان والمنطقة ودعمه للوصول إلى سلام شامل في السودان.

كما نعت كثير من الحركات المسلحة في دارفور التي تربطها علاقات جيدة بالحكومة التشادية ورئيسها القتيل.

والثلاثاء، بحث بيرتس فولكر، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في السودان "يونيتامس"، مع نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، تطورات الأوضاع في تشاد، على خلفية مقتل ديبي، والمعارك التي تدور بين الحكومية والمعارضة، ومدى تأثير ذلك على الأوضاع في السودان والمنطقة.

وبحسب بيان أصدره المجلس، أكد فولكر وحميدتي على أهمية التهدئة حفاظاً على استقرار تشاد.

والخرطوم لديها الحق في القلق مما يحدث في تشاد، بحسب كثير من المراقبين، استنادا على وقائع سابقة، فالحدود بينهما لم تشهد استقرارا إلا عقب توقيع اتفاق بين حكومتي السودان وتشاد عام 2009 ألزمهما بوقف أي دعم للمتمردين من البلد الآخر، كما نشر البلدان قوات مشتركة لحفظ الحدود.

حدود السودان وتشاد 
وتنتشر قوات سودانية تشادية مشتركة في نحو 20 موقعًا بين البلدين لتأمين الحدود، ومنع أي طرف من دعم المتمردين في الطرف الآخر، حيث كان البلدان يتبادلان اتهامات في هذا الشأن.

ووقع البلدان الاتفاق الأمني بعد عام من دخول حركة "العدل والمساواة" للعاصمة الخرطوم في مايو 2008، بدعم تشادي، حسب تقارير حكومية آنذاك، وذلك بعد شهور من دخول المتمردين التشاديين العاصمة نجامينا، ومحاصرتهم القصر الرئاسي في فبراير من ذات العام، بدعم من الخرطوم حسب ما ادعته نجامينا وقتها.

مقتل ديبي
يرى بعض المحللين أن تأثير مقتل ديبي وعدم الاستقرار في تشاد قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة بأكملها، لدور ديبي الرئيسي في محاربة الإرهاب في المنطقة.

وغياب ديبي سيشكل خسارة كبيرة لحركات الكفاح المسلح بدارفور، التي أصبحت جزءا من نسيج السلطة الانتقالية في السودان بعد مفاوضات جوبا.. مثلما يشكل خسارة كبيرة لتحالف المعارضة في جمهورية إفريقيا الوسطي، الذي يتزعمه الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزيه، الذي ساهمت تشاد فى وضعه على قمة السلطة في بانغي.

فمقتل الرئيس ديبي ينعش نظرية المؤامرة بشأن إعادة ترتيب المنطقة من جديد، وأن الفوضى هي الأقرب لملء الفراغ الذي خلفه مقتل مارشال أفريقيا، على مستوى تشاد، ومستوى الإقليم، والساحل الإفريقي.

تداعيات على مصر
أيضًا مثلما تأثرت السودان من الأحداث فى تشاد، ربما تحيق بمصر أضرار سياسية واقتصادية على المدى البعيد من الأحداث، وتتسم العلاقات المصرية التشادية بالتمييز على المستويين الرسمي والشعبي، حيث حرصت تشاد على الاحتفاظ بالعلاقات مع مصر نظرا للدور والمكانة المصرية على الساحة الأفريقية وذلك منذ أن حصلت مصر على الاستقلال عام 1952.

العلاقة بين مصر وتشاد ممتدة وطويلة باعتبارها دولة مهمة للأمن القومي المصري ولها حدود مشتركة مع السودان وليبيا.

أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسى فى تصريحات سابقة بالعلاقات الوطيدة بين مصر وتشاد، لا سيما فى ظل الأهمية الكبيرة التى تحتلها فى منطقة الساحل الأفريقى ذات الاتصال المباشر بالأمن القومى المصرى، مع تأكيد أن هذه الزيارة تمثل فرصة هامة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.

ووضعت مصر منذ وصول السيسي للحكم، خطط للاستثمارات المشتركة، فى البناء والتشييد والطاقة المتجددة، ومجالات البنية الأساسية والأدوية، وتعميق العلاقات الاقتصادية وتعزيز التبادل التجارى وإقامة مجلس رجال أعمال مصرى تشادى لفتح اسواق خارجية للصادرات المصرية بين مصر وتشاد، إضافة إلى التعاون فى مجالات الثروة الحيوانية والنقل البرى والطيران والموارد المائية والرى.

شبكة شرق العوينات
وكشفت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي فى 2019، عن شبكة نقل برى جديدة سيتم إنشاؤها بين مصر وتشاد، عبر منطقة شرق العوينات وحتى منطقة أم الجرس التشادية كمرحلة أولى بطول 1103 كم منها 242 كم داخل الحدود المصرية، و310 كم داخل الحدود الليبية و441 كم داخل الحدود التشادية بتكلفة 33 مليار جنيه.

الجريدة الرسمية