رئيس التحرير
عصام كامل

«السيرة الهلالية» تنقل «جابر أبو حسين» من كنس الشوارع لعرش الفنانين

جابر أبو حسين - أشهر
جابر أبو حسين - أشهر راوة السيرة الهلالية
18 حجم الخط

عم جابر أبو حسين.. الملقب بـ«هوميروس العرب» أشهر شاعر للسيرة الهلالية في العالم العربي، كان يحفظ نحو مليون بيت شعر من السيرة، وكان يقدم نصف ساعة يوميا من السيرة الهلالية في إذاعة "برنامج الشعب" المصرية مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي.

سيرة بني هلال تحكي قصة قبيلة بني هلال وحلفهم مع قبائل العرب في نجد والحجاز، وكان أبو زيد الهلالي هو المسيطر على أغلب فصولها.
الشاعر جابر أبو حسين مواليد (3 نوفمبر 1913) ابن فلاح مصري من مركز إخميم، مات والدُه ولما يبلغ جابر من العمر أحد عشر عامًا، وكان عليه رعاية أمه وأخيه الأصغر زكي.
ترك جابر المراغة بعد أن حفظ كل ما سمعه من السيرة الهلالية وذهب إلى الإسكندرية وعمل بها كناسًا، ولم ينسَ السيرة الهلالية؛ فقد كانت تروى في بعض مقاهيها.
واستمع الطفل جابر إلى الشاعر الراوية محمد الطباخ يؤدي السيرة الهلالية في أحد المقاهي لمدة خمس سنوات، وطلب من الشاعرُ الطباخ أن يعمل معه في بطانته فقَبِل.
وبعد أن شعر جابر أبو حسين بأنه حفظ السيرة عاد إلى المراغة، لكنه لم ينجح في أن يجذب جمهور المستمعين، فأخذ يعمل مع الفرق الجوالة التي تروي السيرة.
واستُدْعى إلى الإسكندرية لإحياء بعض الليالي هناك بعد وفاة الشاعر الطباخ لكنه لم يحالفه الحظ أيضا، وعاد من الإسكندرية إلى الصعيد رجلا جديدا حيكت حوله الأساطير، فردد أهل الصعيد "أن الخضر عليه السلام تفل في فمه".
كانت بداية شهرته الكبيرة في قنا؛ في مولد سيدي عبد الرحيم ثم اشتهر في أسوان وسوهاج وأسيوط.
وارتفع صوت "جابر أبو حسين" ليروي السيرة الهلالية بطريقة سهلة تعتمد على المربع الناعم الذي يُبنى من كلام الناس وأمثالهم، ورُكِّبَت روايته من كثير من الروايات المعروفة، هضمت وشكلت فيما نعرفه الآن برواية جابر أبو حسين.
وكغيره من شعراء الصعيد اعتمد أسلوب المربعات في تقديم الملحمة، فبعد أن تبدأ المقدمة بقصائد مدح الرسول والزهد في الدنيا وطلب المغفرة من الله، يبدأ القص في السيرة ذاتها بالمربع، والمربع بيتان من الشعر يتكونان من أربعة شطور مستقلة ومتصلة في ذات الوقت، تتشابه فيهما قافيتا الشطر الأول والثالث من جانب، والثاني والرابع من جانب آخر.
ويعتبر جابر أبو حسين من أعظم رواة السيرة الهلالية، فهو يقدم دراما شعبية أو مونودراما -الممثل الواحد- قبل ظهور هذا الشكل في المسرح المصري، وهو راوٍ يقدم تصويرا فنيا للأحداث، وعند أدائه للسيرة يقوم بتطويع صوته وفقًا لمتطلبات التعبير عن طريق الأداء الصوتي المتنوع.
عُرِفَ هذا الشاعر العظيم بخلقه الجَمِّ وحيائه، وكان لا يتقاضى أجرا من الفقراء فأحبه الجمهور وعشقه فنانًا وإنسانًا، وكان استشهاد ابنه عبد العظيم في حرب أكتوبر محطة مهمة في حياته.
حاول كثير من المهتمين بالتراث الشعبي أن يأخذوه إلى القاهرة ليقدم الهلالية في الإذاعة فرفض، وكان منهم زكريا الحجاوي، ولم تنجح من هذه المحاولات غير محاولة فهمي عمر، مدير إذاعة الشعب سنة 1977، الذي أرسل له رسالة مع عبد الرحمن الأبنودي الذي زار جابر أبو حسين مع الفنانة عطيات الأبنودي وعبد الرحمن قيقة من تونس، ولم يقبل الرجل الذهاب إلى القاهرة بسهولة حتى تدخَّل عمدة القرية.

كانت إذاعة الشعب في ذلك الوقت تقدم برنامجًا عن السيرة الشعبية يقدمه عبد الرحمن الأبنودي قدم فيه الضوي الكبير وابنه سيد الضوي، وكان البرنامج في حاجة إلى تطعيم، ومن هنا اتجهت الإذاعة إلى جابر أبو حسين الذي حضر إلى القاهرة والتقى الأبنودي، وأخذت إذاعة الشعب تسجل له لمدة شهر كامل خمس ساعات منها ساعة راحة، وبعد ذلك سافر جابر أبو حسين إلى بلدته فهو لا يحب مغادرتها طويلًا.
وذهب إليه الأبنودي مرة ثانية في بلدته، وأقام في استراحة وزارة الزراعة بسوهاج مدة سبعة وعشرين يومًا، سجل فيها لجابر بقية السيرة الهلالية، ولن يستطيع أحد أن ينسى مقولة الأبنودي الشهيرة: "قول يا عم جابر".
يذكر أن "جون رينولدز" أحد الباحثين الأمريكيين سجل له مئات الساعات.. قبل أن يرحل عنا جابر أبو حسين في 1981.
الجريدة الرسمية