"غرفة الإنعاش".. قصة قصيرة لأحمد صلاح
يجلس وحيدًا شارد الذهن يحاول جاهدًا أن يصرف عقله عن التفكير بها، إحساسه معبأ بالآلم، عيونه لا تري سواها، يغمض عينيه تطاردها بسمته الحانية ويتوه في عالم ذكرياتها، يشعر بها تتناثر في ثناياه، تسري في شرايينه، تتملكه ذكريات ذلك اليوم...
الظلام يسود من حوله ويبدأ بتذكر تفاصيلها........
المشهد (1)
نظراتها مملوءة بالضعف، ومازالت تحتفظ بضحكتها الرقيقة، عيناها زابلتان ولكنهما يشعان نورا يوهج الحياة، تمدد جسدها النحيل على الفراش في المشفى ويجلس هو بقربها متأملًا بوجهها، يأخذ نفسًا عميقا في محاولة منه على استجماع قواه الخائرة من فرط إحساسه بنظراتها الواهنة، ويتبادلان الكلمات بصعوبة بالغة، لم يدرك لحظتها أنها آخر كلماتها...لكنها أدركت أنها ما هي إلا أنفاس وتتجه الروح لخالقها وربتت على يديه ونظرة بعينيها الحانية.....وابتسمت.
المشهد(2)
يضعونها على سرير متحرك ويدفعونها تجاه غرفة الإنعاش ويلهث هو خلفها... لم تفارق نظراتهما بعضهما البعض حتى أنه ترجى الطبيب أن يدخل معها....ولكنه رفض بوجه جامد.
المشهد (3)
ينتظر خارج غرفة الإنعاش ويشعر بمرارة في حلقه، سيطر القلق والخوف على قلبه وعقله معًا، تمر اللحظات عليه كمن ينتظر تنفيذ حكم الإعدام به، يلقي بظهره على الحائط لشعوره بالتعب ويقف وحيدًا صامتًا يحدث ربه فقط ويعده بالابتعاد عن كل المحرمات التي اعتاد أن يفعلها، نظر ليديه وجد "حظاظة" فخلعها وألقى بها بـ صندوق القمامة ينظر حوله في خوف.. تملأ عينيه الحيرة عن ما ينتظره، لم يتمالك أعصابه وزرف دمعًا رغم قسوة ملامحه.
المشهد (4)
ظهر على مرمي البصر بعض أقاربه وأشقائه مهرولين تجاهه، أراد أن ينهرهم للتأخير لكنه لم يكن يمتلك القدرة الكافية لرفع صوته، إصابة القلق الواضح على ملامحه بالوهن الشديد.....أفقدته القدرة على العتاب واللوم....فصمت.
حاول البعض أن يربت على يديه ولكنه ابتعد خوفا من أن تعكر أيديهم ملمس يديها الأخير.
المشهد (5)
ينظر بعينيه تجاه الغرفة الموصدة آملًا في خروج أحدهم لطمأنته، يري طبيبًا في آخر الرواق يسرع تجاه الغرفة فطالعه باهتمام، وما أن انفتح الباب بضع سنتيمترات تسمح للطبيب بالدخول.... حتى وقعت عيناه عليها وهي ممدة على فراشها فنظرت إليه والخوف يملأ جفنيها كمن تستنجد من بطش الزمان، فانهار جسده وشعر بدوار تملكه حتى ارتمى على الأرض مستسلمًا لآلامه وراحت عيناه تدمعان كشلال جارف.
حقًا لم تحتمل نفسه رؤيتها خائفة.. لم لا؟ وهو من كرس أحلامه لها وحدها.
كم تمنى في هذه الحظة أن تلامس كفاه وجنتيها، أراد في تلك اللحظة أن يسجد بين يديها وأن يتوسلها أن تبقى بجانبه أن تحيل ولو بروحها فقط.. كم كان أنانيا في حبه لها...
المشهد (6)
بدأ توافد العديد من الأطباء على غرفة الإنعاش، واستمر هو في محاولة استمالتهم للدخول والوقوف بجانبها، وباءت محاولاته بالفشل حتى رأى ضابط الشرطة، يأتي بدوره وما أن طرق الباب حتى قامت إحدى الممرضات بفتحه ونظرة الخوف تعلو ملامحها ونطقت باسمها فردده الضابط فأسرع لهم ونطقت الممرضة بجملة تمنى أن لا يسمعها طوال حياته، وكانت "البقاء لله"....أصابته حالة من الذهول وتوقفت الحياة من حوله، حاول أن يدخل عليها وحاول الضابط منعه فدفعه بعيدًا عنه وضرب باب الغرفة بقدميه، فانفتح على مصرعيه ونظر في أرجاء الغرفة بسرعة البرق حتى وجدها ملقاة على الفراش منسدلة العيون.
جف حلقه وملأته المرارة وتوقفت دموعه فجأةً، وأمسك بيديها تلاطمت أفكاره وكلماته فلم يستطع أن ينطق حرفًا واحدًا بشفتيه، ولكنه وعدها بقلبه أن يظل لها وفيا حتى يجالس قبرها.
