رئيس التحرير
عصام كامل

تونس تشتعل.. المفاوضات تتوقف بسبب ضبابية موقف النهضة..تهديد صريح بإضراب عام وإعلان العصيان المدني وتحريك الشارع..المعارضة تتحالف مع اتحاد الشغل لإسقاط حكومة "الترويكا"

الأمين العام للاتحاد
الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الحسين العباسي
18 حجم الخط

خاب ظن التونسيين في النخبة السياسية وتراجعت مساحة الأمل لديهم في توصل الفرقاء السياسيين إلى حل توافقي يضع حدا للأزمة السياسية الخانقة التي تعيش البلاد على وقعها منذ شهرين وتحديدا منذ اغتيال السياسي المعارض محمد البراهمي واغتيال ارهابيين مسلحين لثمانية جنود باحد الجبال بالجنوب التونسي.

فقد أعلن رسميا عن تعثر المفاوضات في جولتها الأخيرة التي ارتكزت على خارطة طريق اقترحها اتحاد الشغل والمنظمات الراعية للحوار معه فحسب، بل أن اتحاد الشغل كشف صراحة عن مخططه الذي ينوي تنفيذه قريبا في حال فشل الحوار نهائيا، وهو مخطط وصف بالخطير لأنه يمكن أن يؤدي إلى المجهول الذي سعت الترويكا إلى تجنيب البلاد الوقوع فيه.
وبذلك تكون الأوضاع السياسية قد دخلت منعرجا خطيرا ينبئ بفترة صعبة على الشعب التونسي الذي يئن من وطأة ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة بشكل غير مسبوق وانخرام الأمن وغياب الاستقرار وهروب المستثمرين وانهيار الاقتصاد.

فلم تنتظر حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم طويلا للتعليق على ما صرح به الحسين العباسي رئيس اتحاد الشغل بمعية المنظمات الأخرى الراعية للحوار السبت، والتي أعلن فيها أن الحزب الحاكم وراء تعطل المفاوضات في مرحلتها الجديدة حول خارطة الطريق المنبثقة عن مبادرة الرباعي الراعي للحوار.

فقد كانت اللهجة الحاسمة والمتشنجة التي اعتمدها العباسي في الحديث إلى وسائل الإعلام إعلانا في حد ذاته على فشل الجولة الجديدة من المشاورات التي رعاها وجمعت حكومة الترويكا والمعارضة وان بصفة غير مباشرة. وكان من الواضح أن اتحاد الشغل الذي صدم هو الآخر بضبابية آخر بيان لحركة النهضة، والذي أكدت من خلاله "قبولها بخارطة طريق الاتحاد دون قيد أو شرط" والحال انها ظلت ترفض مبدأ استقالة الحكومة قبل استكمال الدستور وانتهاء مهام المجلس التأسيسي التي انتخبه الشعب لأجلها.
وقالت النهضة في ردة فعلها على ماجاء في الندوة الصحفية للرباعي المتفاوض بأنها فوجئت بما تضمنته من تصريحات لرموز نقابية مضيفة بأنها تصريحات تؤكد "مسعى جليا لتحميل النهضة فشل الوصول إلى الحوار الوطني والحال أن الترويكا والحركة قدمت مواقف واضحة، تتمثل في القبول بالمبادرة والدعوة إلى الانطلاق الفوري في الحوار للاتفاق على تفاصيلها في مختلف أبعادها من صياغة الدستور، وتحديد موعد الانتخابات وتشكيل الحكومة.

وقالت النهضة في ذات البيان:" كنا ننتظر من الرباعي تحديد موعد بداية الحوار فما راعنا إلا والندوة الصحفية تركّز على موقف الترويكا والنهضة دون التوقف عند موقف جبهة الإنقاذ الداعي إلى الحل الفوري للحكومة واعتبار مبادرة الرباعي "قاعدة" للحوار الوطني."
وجددت تأكيدها بأنها "مع الحوار والتوافق من أجل إدارة شئون البلاد والعبور، بها من هذه المرحلة الانتقالية إلى إجراء انتخابات في أسرع الأجال بعد انهاء الدستور والقانون الانتخابي والهيئة المستقلة للانتخابات في أجل لا يتجاوز ثلاثة اسابيع إذا تظافرت كل الجهود."
كما عبرت عن موقفها الداعم لاستمرار المجلس التأسيسي بصلاحياته التأسيسية والرقابية والتشريعية إلى حين إفراز المؤسسات الدستورية الجديدة عبر الانتخابات الحرة النزيهة معربة عن تمسكها بمبدأ تشكيل حكومة جديدة مستقلة لا يترشح أعضاؤها للانتخابات القادمة ويتم الاتفاق عليها عبر الحوار والمصادقة عليها من المجلس الوطني التأسيسي، وتتسلم مهامها من الحكومة الحالية التي تستقيل حال المصادقة على الدستور، وتحديد موعد الانتخابات والانتهاء من تشكيل الحكومة الجديدة."
وفي ختام بيانها قالت النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم بأنها تعتبر أن البلاد في حاجة ماسة إلى هدنة سياسية اجتماعية وإعلامية بما يساعد على الاستقرار ومواجهة المخاطر والتصدي للصعوبات الاقتصادية ودعم التنمية والتشغيل. وأضافت بأنها تعتبر أن الأطراف التي تدفع لتأزيم الأوضاع تتحمل كامل المسئولية أمام الشعب.
وفي تسارع غريب للأحداث، دعت الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل التي التامت في اجتماع طارئ قبل صدور بيان النهضة، الجهات والقطاعات إلى تنظيم تجمعات عمالية ومسيرات جهوية تشفع بتنظيم مسيرة وطنية كبرى في الأيام القليلة المقبلة وذلك في إطار التنسيق التام مع الرباعية الراعية للحوار الوطني.
الهيئة الإدارية للاتحاد قررت بإجماع كافة أعضائها اتخاذ كل الأشكال النضالية المدنية السلمية من أجل تفعيل مبادرة الرباعي المتفاوض محذرة بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في البلاد وتأثيرها السلبي على مصلحة الشغالين.
ورأت أحزاب المعارضة التي اشتد غضبها رفقة الرباعي المتفاوض حيال الغموض الذي ميز ردود افعال الترويكا الحاكمة، أن النهضة لم تقبل بخارطة الطريق اصلا، فهي في حقيقة الأمر ما فتئت تناور وتماطل سعيا منها إلى ربح الوقت إلى حد الوصول إلى التاريخ الذي حددته منذ بداية الأزمة السياسية الخانقة أي منذ شهرين. وهو تاريخ يخدم مصالح الحزب الحاكم حسب ما أكده قياديون بجبهة المعارضة، وأضاف بأنه يكاد يحصل لدى الشعب اعتقاد بأن النهضة لا تريد لهذه البلاد أن تتجاوز محنتها.
في جانب آخر، طغى على ردود افعال الأحزاب السياسية داخل السلطة وخارجها جدل كبير حول مصداقية اتحاد الشغل وحياديته في إدارة الحوار الوطني بين الفرقاء السياسيين، ففيما وجه الحزب الجمهوري تحية اكبار إلى الرباعي المتفاوض وعلى رأسه اتحاد الشغل ودعاه إلى مواصلة المفاوضات بكل وطنية، اعتبر ياسين إبراهيم المستقيل من أكبر أحزاب المعارضة، أن المنظمات الراعية للحوار لا يمكنها أن تكون الطرف السياسي الذي يحكم البلاد بل هي فقط تسعى إلى ايجاد الحلول لا غير والتوفيق بين الطرفين مشددا على ضرورة أن يعمل اقوى رجلان في البلاد، السبسي والغنوشي على إنقاذ تونس وشعبها.
اما محمد عبو المستقيل من حزب المؤتمر والذي ظل يحن لمنصب وزارة الإدارة الذي شغله ايام رئاسة حمادي الجبالي لأول حكومة نهضوية، فقد أشار إلى أنه لا مجال للانقلاب على الشرعية الانتخابية مبرزا " أن اخطاء حكومة الترويكا لا يمكن أن تكون مبررا الانقلاب على المسار الديمقراطي بل تبرر استغلال هذه الأخطاء ضدها في الانتخابات المقبلة والضغط في اتجاه تحسين الوضع الأمني والاقتصادي في المرحلة المتبقية ووضع القوانين الضامنة لشفافية الانتخابات ونزاهتها."
وبالرجوع إلى ما أعلن عنه العباسي خلال ندوته الصحفية التي شكلت الحدث يوم السبت والذي تمحور حول استنكاره مماطلات النهضة باعتبارها حزبا قويا بإمكانه انجاح الحوار أو تعطيله، وفق تصريحه فإنها من الواضح أن رئيس اتحاد الشغل، "المستاء" من أسلوب المغالطة الإعلامية الذي انتهجته النهضة من خلال ادعائها قبول المبادرة في الوقت الذي رفضت فيه مبدأ استقالة الحكومة التي يقودها النهضوي على العريض، أعلن بعد العصيان المدني.
ولأنه على قناعة بأن اتحاد الشغل يشكل أكبر قوة شعبية بامتلاكه اوسع قاعدة عمالية في البلاد، فإن العباسي الذي ظل يلمح إلى امكانية لجوء اتحاده إلى الشارع لإنجاح مبادرته طيلة شهرين من المفاوضات وكلما احس بتباطؤ أحد طرفي النزاع، فان رئيس الاتحاد لم يتردد هذه المرة في تنفيذ وعيده بتحريك الشارع الذي يظل في اغلبه تحت سيطرته، إذا ما اخذنا بعين الاعتبار انحياز أحزاب المعارضة وقواعدها إلى الاتحاد في "حربه المعلنة ضد النهضة الحاكمة".
فاتحاد الشغل الذي سيطر عليه التيار اليساري طيلة عقود ما عدا سنوات الجمر عندما خفت صوته وضاع مركزه في المشهد السياسي المحلي ايام الرئيس بن على، بات من الواضح أنه يميل في اتجاه أحزاب المعارضة التي سريعا ما قبلت بمبادرته حال الإعلان عنه لأنها تصب في مصلحتها وترتكز على اهم مطلب لها الا وهو إسقاط حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية.
ومن هنا، فإن أي تحرك سينتهجه اتحاد الشغل مستقبلا في حال تواصل الشد إلى الوراء واستمرار تعطل لغة الحوار بين طرفي النزاع، وتمسك المعارضة والاتحاد بتحميل مسئولية فشل المفاوضات إلى حركة النهضة وبقدر اقل إلى حليفيها حزبي التكتل والمؤتمر، فإنها من البديهي أن تنجح مختلف اشكال الاحتجاج سلمية كانت أو غير سلمية.
والثابت أن شقا كبيرا من المندسين والمتربصين بالبلد سيستغلون فرصة التحركات الشعبية للقيام بأعمال عنف ونهب وسرقة وحرق واتلاف للمنشآت العمومية، تماما كعادتهم كل مرة وستدخل البلاد في موجة عنف هي في غنى عنها الآن، بالنظر إلى اختلاف الوضع اليوم عما كانت عليه البلاد منذ عام.
فقد وصفت وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف أحد اضلاع الرباعي الراعي للحوار، الوضع الحالي للاقتصاد "بالكارثي والسيئ جدا" وارجعت ذلك إلى تردي الواقع السياسي الذي انعكس سلبا على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، داعية إلى ضرورة توفر الأمن والاستقرار حتى تتضح الرؤية امام المستثمرين التونسيين والعرب والأجانب ويستعيدوا ثقتهم بالبلاد ليعاودوا الاستثمار بها.
وكشفت رئيسة منظمة الأعراف والمشغلين، التي تستنكر عليها بعض الأطراف تحالفها مع اتحاد الشغل عدوها الاستراتيجي لمساندته دوما إضراب العمال ضد مشغليهم وبالتالي الحاق الإضرار بالمؤسسات، أن الأزمة السياسية التي طال امدها افضت إلى مغادرة عشرات الشركات الأجنبية للبلاد مما سبب نقصا فادحا في الاستثمار واستفحالا لمعضلة البطالة. ولكن لا أحد استمع اليها أو اخذ ما قالته بعين الاعتبار وبخاصة رفقاؤها في الرباعية الراعية للحوار وعلى رأسها اتحاد الشغل.
اتحاد الشغل الذي أكد رئيسه الحسين العباسي بأنه ضد تجييش الشارع وتصادم التونسيين فيما بينهم وتقسيم الشعب إلى قسمين، مجددا حرص الاتحاد بما يملكه من قاعدة شعبية تفوق 250 ألف عامل منخرط فيه، نسي أو تناسى كل ذلك ليعلن انطلاق مسيرات شعبية في كل الجهات يختمها بمسيرة وطنية في العاصمة تونس، لا لتحريك الشارع كما سبق وأكد، وانما لممارسة ضغط رهيب على حكومة الترويكا ودفعها دفعا نحو الاستقالة...وتجاهل اتحاد الشغل أن الشارع الذي ظل منذ الثورة يحركه كيفما يشاء، هو حل الضعفاء عندما تتعطل لغة الحوار باعتبار ما يمثله التجييش من إضاعة للوقت واهدار للمصلحة العليا للبلاد التي ستتوقف دواليبها عن الدوران ليوم كامل في حال تحرك الشارع.
ويجمع المحللون السياسيون على أن اتحاد الشغل الذي المح إلى البدء في تحريك الشارع، إنما يهدد بصريح العبارة بالقطيعة التامة مع الحكومة الحالية، وبالتالي مقاطعتها إلى حين استجابتها لطلب الاستقالة. وجددوا خشيتهم من إعلان الاتحاد إضرابا عاما آخر أو حتى العصيان المدني .. الذي ستكون له انعكاسات كارثية أخرى على اقتصاد البلاد وعلى أمنه واستقراره وعلى صورة تونس لدى المجتمع الدولي وخاصة المؤسسات المالية الكبرى.
ومما لا شك فيه، أن المهلة الأخيرة التي منحها اتحاد الشغل ومن وراءه المنظمات الوطنية الراعية للحوار للترويكا وتحديدا لحركة النهضة، والتي لا تتجاوز اليوم الإثنين أو غدا الثلاثاء، ستكون بالفعل حاسمة هذه المرة على خلفية التهديدات الجدية التي عبر عنها قياديو اتحاد الشغل وتستعد قواعده لتنفيذها في الجهات.
ولا أحد يشكك في قدرة اتحاد الشغل على شل البلاد كلما اراد ذلك دون اعتبار للمصلحة الوطنية ولا لاقتصادها المتدهور، خاصة وان رئيسه جدد التأكيد على أن منظمة الشغيلة ستعمل في حال انقضاء المهلة دون أن تنجح المفاوضات وتتزحزح الترويكا عن موقفها الأخير، "ستعمل على تطبيق خارطة الطريق بقوتها الذاتية وبدعم من الشعب".
وفي ذلك اخطر تصعيد تسجله البلاد خلال ازمتها السياسية التي طال عمرها ولا تلوح بوادر انفراجها في ظل تعنت طرفي النزاع، وامام تكاثر السحب في سماء الساحة السياسية بما ينذر بانفجار الوضع في كل لحظة.
الجريدة الرسمية