رئيس التحرير
عصام كامل

شتاء الجوع يهدد غزة.. 1.98 مليون فلسطيني بلا مأوى آمن.. و"الأونروا" تحذر: 94% من السكان بحاجة لمساعدات عاجلة.. وجدات يوهمن أحفادهن اليتامى بطهي الطعام

الجوع والشتاء يهددان
الجوع والشتاء يهددان أطفال غزة
18 حجم الخط

بينما تتقلص المساعدات وتتراجع الإمدادات، تتحول أيام الانتظار في غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء، تخوضها أمهات وجدات لا يملكن سوى محاولات يائسة لإخفاء الجوع عن عيون أطفالهن. ففي كل يوم، ترسل الفلسطينية رضا عليوة، البالغة من العمر 60 عاما، أحفادها الأيتام في اتجاهات مختلفة بحثا عن الطعام. ومع وجود 36 طفلا يتعين عليها إطعامهم، فإنها تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الخيرية وما يتبقى من طعام لدى جيرانها النازحين. وغالبا، لا تجد ما تقدمه لهم سوى الخبز والشاي.

وبحسب تقديرات نشرتها "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا)، على موقعها الرسمي، اليوم الجمعة، فإن 58% من سكان القطاع يواجهون احتياجات حرجة أو كارثية في مجال الإيواء، مشيرة إلى أن تقييم احتياجات الشتاء شمل 113 موقعا للنازحين، وكشف عن وجود 18 مركز إيواء طارئ غير آمن، بينها أربعة معرضة لخطر انهيار مرتفع للغاية، وستة معرضة لخطر مرتفع، وثمانية معرضة لخطر متوسط.

وأضافت الوكالة الأممية، أن 84% من سكان القطاع يعانون انقطاعات متكررة وغير منتظمة في الحصول على مياه آمنة ونظيفة، فيما أبلغت 89% من الأسر عن عدم كفاية حصولها على مستلزمات النظافة الأساسية، وأن نحو 1.98 مليون شخص من سكان قطاع غزة، يشكلون 94% من سكانه، يحتاجون إلى مساعدات عاجلة لتوفير المأوى والمواد غير الغذائية.

وتقول رضا في تصريحات لمجلة "+972" الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية: "لا نملك المال لشراء الخضروات أو الدقيق الأبيض المتوفر في الأسواق".

فلسطينيون في انتظار المساعدات الغذائية، غزة، 26 سبتمبر 2026.
فلسطينيون في انتظار المساعدات الغذائية، غزة، 26 سبتمبر 2026.

وبحسب تحقيق نشرته "+972"، فإن المسؤولين الإسرائيليين يواصلون الادعاء بأن الغذاء متوفر بوفرة في قطاع غزة. لكن على الرغم من استئناف دخول عدد محدود من شاحنات المساعدات التجارية والإنسانية إلى القطاع بشكل متقطع منذ ما سمي بـ "وقف إطلاق النار" في 10 أكتوبر 2025، إلا أن المنتجات الطازجة واللحوم لا تزال شحيحة، وباتت بعيدة عن متناول الكثير من الفلسطينيين النازحين بسبب ارتفاع أسعارها.

انخفاض عدد الشاحنات التجارية التي تدخل القطاع

تؤكد هيئة المعابر والحدود التابعة للسلطة الفلسطينية، أن عدد الشاحنات التجارية التي دخلت قطاع غزة في شهر أكتوبر الماضي انخفضت بأكثر من 50% مقارنة بشهر سبتمبر 2026، في حين تراجع إجمالي عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع بأكثر من الربع. والآن، يهدد نقص التمويل لدى إحدى كبرى الجهات الموردة للمساعدات الغذائية في غزة بتفاقم أزمة الجوع.

وفي الشهر الماضي، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن تقليص كبير في مساعداته داخل القطاع؛ فبعد أن كان يقدم الدعم لـ 1.6 مليون فلسطيني، أصبح الآن قادرا على دعم 1.1 مليون فلسطينيا فقط. وقد أثارت هذه الأنباء مخاوف من العودة إلى حالة المجاعة، في ظل تناقص الإمدادات الغذائية واضطرار المطابخ المجتمعية إلى تقليص نطاق عملياتها، وفق مجلة "+972".

اقتراب فصل الشتاء

يأتي هذا الانخفاض مع اقتراب فصل الشتاء، مما يهدد بمفاقمة الصعوبات التي يواجهها مئات الآلاف من الفلسطينيين. ووفقا للأمم المتحدة، يعيش نحو مليون نسمة في ملاجئ مؤقتة معرضة لخطر الفيضانات بدرجات تتراوح بين المتوسطة والعالية، في ظل استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في منع عمليات إعادة الإعمار في القطاع

وفي الوقت ذاته، انخفض الإنتاج اليومي للوجبات المطبوخة -بحسب مجلة "+972"- بنسبة 12% ليبلغ حوالي 614 ألف وجبة، وذلك بسبب قيود التمويل؛ بينما يهدد نقص الوقود وزيوت المحركات وغيرها من الإمدادات الأساسية استمرار الخدمات الصحية والمائية. وبالنسبة للفلسطينيين الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حساسية تجاه أنواع معينة من الطعام، فإن ندرة الغذاء الميسور التكلفة تشكل مخاطر إضافية، حيث يجد البعض أنفسهم مضطرين للاختيار بين الجوع أو تناول أطعمة قد تزيد من تدهور حالتهم الصحية.

وتبدو احتمالية إجراء المزيد من التخفيضات في المساعدات، بالنسبة للجدة الفلسطينية رضا، أمرا مرعبا للغاية. فقبل أكتوبر 2023، كانت تعيش مع عائلتها الممتدة في حي الشجاعية بمدينة غزة، ومنذ ذلك الحين، نزحت 24 مرة، واستشهد ستة من أبنائها في هجمات إسرائيلية، خمسة منهم في غارة واحدة استهدفت خيمة نزوح العائلة غرب مدينة غزة في سبتمبر 2025.

جدة فلسطينية: أطفالنا يبكون جوعا ويحتاجون إلى الطعام 

تقول رضا: "أصيب العديد من أحفادي، كما تعرضت أنا أيضًا لإصابات خطيرة في الكلى والرأس. وغادرت المستشفى بمبادرة مني، لأنني وزوجي كنا الوحيدين القادرين على رعاية أحفادنا الستة والثلاثين".

فلسطينيات يبحثن عن مساعدات غذائية في قطاع غزة، 26 سبتمبر 2026.
فلسطينيات يبحثن عن مساعدات غذائية في قطاع غزة، 26 سبتمبر 2026.

وتعيش رضا وعائلتها الآن في خيمة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط غرب مدينة غزة، وهم عاجزون عن العودة إلى منزلهم المدمر الذي يقع خلف "الخط الأصفر" في منطقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

وتضيف موضحة: "حتى قبل القيود الإسرائيلية الأخيرة وإعلان برنامج الأغذية العالمي، كنا نعاني بالفعل في توفير الطعام للأطفال. لا أعرف ماذا سيحل بنا في الأيام المقبلة".

لكن جوع أحفادها هو أكثر ما يشعرها بالعجز؛ حيث تقول: "الأطفال يبكون. إنهم جائعون ويحتاجون إلى الطعام، لكن ليس لدي ما أقدمه لهم. أضع وعاء من الماء على النار وأكذب عليهم، لأوحي لهم بأنني أطهو طعاما، حتى ينشغلوا بشيء آخر أو يغلبهم النعاس. أفضل أن يقتلنا صاروخ جميعا على أن نتحمل مزيدا من الألم".

أجسادهم لا تحتمل الجوع مجددا

تعاني الفلسطينية إيمان حريز، البالغة من العمر 42 عاما، من حساسية تجاه القمح، وهو ما يجعل النقص المتزايد في الغذاء في قطاع غزة يشكل خطرا مضاعفا عليها. وبعد نزوحها من منزلها في حي "النفق" بمدينة غزة -الذي دمر خلال حرب الإبادة الإسرائيلية- باتت تعيش اليوم مع أفراد أسرتها الأربعة في منزل صغير لأحد أقاربها في المنطقة ذاتها.

تكتفي أسرة حريز بوجبة واحدة متأخرة يوميا، تتكون عادة من العدس أو الأرز دون أي خضروات. وفي أحيان كثيرة، تفضل إيمان البقاء دون طعام تماما بدلا من المخاطرة بالتعرض لنوبة ألم جديدة. وتوضح في تصريحات لمجلة "+972" قائلة: "أحيانا أقضي يومي مكتفية بشرب الماء فقط. أشعر بالجوع، لكنني على الأقل أتجنب آلام المعدة".

الحياة في بيوت بلا جدران أفضل حالا من حياة الخيام
الحياة في بيوت بلا جدران أفضل حالا من حياة الخيام

وتضيف الفلسطينية إيمان: أشعر بقلق بالغ على والدي وأمي، اللذين يناهزان أواخر السبعينيات من العمر، وقد تدهورت صحتهما بالفعل تحت وطأة نقص الغذاء المتكرر. لم تعد أجسادهما قادرة على تحمل المجاعة مجددا. لقد دخل والدي في غيبوبة العام الماضي بسبب الحزن والجوع، ونحن الآن عاجزون عن توفير ما يكفي من الطعام لإطعامه".

ورغم هذه الظروف، واصلت إيمان –وفق مجلة "+972"- العمل على أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه في المحاسبة خلال العام الماضي، وكانت تضطر أحيانا إلى تناول أي شيء متاح أمامها لمجرد التمكن من التركيز، مضيفة: "كنت منهكة وجائعة، لكن كان علي مواصلة العمل. اضطررت لتناول أي شيء أجده لأستطيع التركيز وإنجاز مهامي".

البكاء من ألم الجوع

بالنسبة للفلسطينية ريما الدرملي، البالغة من العمر 43 عاما، والتي تعاني من فشل كلوي وتخضع لجلسات غسيل كلى ثلاث مرات أسبوعيا، فقد جمعت هي وزوجها مؤخرا ما تبقى لديهما من مال ضئيل وتوجها إلى السوق لتخزين بعض المواد الغذائية، لكنهما لم يجدا سوى القليل مما يحتاجانه.

تقول ريما: "خلال فترتي المجاعة الأولى والثانية، كنت أبكي من شدة الجوع. شعرت وكأن جسدي يأكل نفسه؛ عانيت من الدوار وآلام في المعدة، وفقدت 14 كيلوجراما من وزني. لم نكن قادرين حتى على شراء الدقيق الأبيض حين وصل سعره إلى قرابة 30 دولارا للكيلودرام الواحد".

الجريدة الرسمية