لانا نسيبة.. إماراتية من جذور مقدسية.. أول امرأة تحلم بقيادة الأمم المتحدة.. عائلتها حرست مفاتيح كنيسة القيامة.. ومشروعها الطموح يصطدم بآلام الجوعى وضحايا الحروب
لانا نسيبة، في توقيت شديد الحساسية، جاء ترشيح الدبلوماسية الإماراتية –ذات الأصول الفلسطينية- لانا زكي نسيبة رسميا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، خلفا للأمين العام الحالي أنطونيو جوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية في نهاية العام الحالي، بعد 10 سنوات أمضاها في منصبه منذ 1 يناير 2017.
ويأتي ترشيح نسيبة في وقت يعاني فيه العالم من ثمانية حروب كبرى تمتد من الحرب الروسية الأوكرانية، مرورا بالحرب الأمريكية الإيرانية، وحروب السودان واليمن، والإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، وصراع الحدود الأفغاية الباكستانية، فضلا عن تسجيل ما بين 50 إلى 65 صراعا مسلحا نشطا حول العالم؛ فيما يواجه نحو 266 مليون نسمة مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد حول العالم، بينما يتوفى ما يقارب 3.1 مليون طفل سنويا بسبب سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية، فيما يرتبط الجوع بنحو 50% من إجمالي وفيات الأطفال دون سن الخامسة على مستوى العالم.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأكبر هو: هل تنجح نسيبة بوجهها البيضاوي وملامهحا العربية الواضحة، وعينيها ذات اللون البني الداكن والنظرات الحادة الثاقبة، وشعرها المنسدل بلطف، وابتسامة هادئة لا تخلو من رصانة بما يتلاءم مع طبيعة العمل الدبلوماسي، في القفز فوق موجات تلك الحروب والنزاعات المسلحة التي تصبغ الكرة الأرضية بلون الدم؟ وهل يمكنها أن تمنح الأمل لأطفال أنهكت أمعاءهم لعنة الجوع؟
الدبلوماسية طريق مهني
للمرء نصيب من إسمه، هكذا يقول المثل العربي. مقولة ربما ألقت بظلاها على شخصية لانا التي اختارت الدبلوماسية طريقا مهنيا، مدعومة بما يبوح به الإسم –عربيا- من "ليونة ونعومة ورقة"؛ حيث تتمتع نسيبة بخبرة دبلوماسية ممتدة داخل المؤسسات الدولية. وشغلت منصب المندوبة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وتولت رئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2017، وشغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة. وخلال عضوية الإمارات غير الدائمة في مجلس الأمن عامي 2022 و2023.

وبحسب تقارير إعلامية، شاركت نسيبة في جهود التفاوض بشأن عدد من القرارات أهمها وضع إطار أممي لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وبمكافحة خطاب الكراهية والتمييز، ومواجهة القيود التي فرضتها حركة طالبان على عمل النساء الأفغانيات لدى الأمم المتحدة.
وكانت نسيبة مستشارا لليونسكو في باريس من 2000 إلى 2001، ومحللا في برنامج الأمن والإرهاب التابع لمركز الخليج للأبحاث من 2004 إلى 2006. وعملت كرئيسة لفريق عمل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة قبل أن تبدأ العمل في وزارة الخارجية الإماراتية من عام 2009، كمدير لإدارة تخطيط السياسات ثم كمبعوث خاص إلى أفغانستان وباكستان.
مقدسية الأصل والجذور
ولدت نسيبة في مدينة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة عام 1978؛ حيث عمل والدها -المولود في القدس- مستشار رئاسيا ومترجما لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بعدما التقى الشيخ زايد في أبريل 1968 من أجل إعداد فيلم وثائقي بريطاني، مترجما كلامه من العربية إلى الإنجليزية، ليطلب منه الشيخ زايد الانضمام إلى حكومة أبوظبي، في رحلة تقلد خلالها الهديد من المناصب الحكومية الإماراتية الرسمية.

تنتمي نسيبة لعائلة مقدسية، ارتبط تاريخها بتقليد عريق في حراسة مفاتيح كنيسة القيامة، وهي حاصلة على درجتي البكالوريوس والماجستير في التاريخ من كلية كوينز، جامعة كامبريدج، وماجستير في دراسات الشتات الإسرائيلي واليهودي من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. ومنحها هذا التكوين المزدوج المتمثل في التاريخ الأوروبي الكلاسيكي مع دراسة معمقة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني "قدرة نادرة على فهم الآخر دون التنازل عن الهوية، ولم تكن دراستها مجرد شهادات، بل كانت استثمارا في فهم تعقيدات الشرق الأوسط من الداخل".
الدبلوماسية الريادية
لا تنسى نسيبة تلك اللحظة التي غادرت فيها أبوظبي إلى مدرسة وايكومب آبي البريطانية الداخلية في سبتمبر 1990. وقتها، تمنت ابنة الحادية عشر عاما ألا تنتهي رحلة الوصول إلى المدرسة، وانتهابها شعور بالخوف وعدم اليقين، قبل أن تمثل تلك التجربة نقطة فاصلة في شخصيتها، قناعتها بأن "على المرء القيام بما يخيفه حتى يتخلص من الخوف".
ممارسة ما يخيفك ربما مثل الجانب الأبرز في شخصية نسيبة، والتي جاء ترشيحها رسميا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، عبر خطاب وجهه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى رئاسة الجمعية العامة ومجلس الأمن، مستندا إلى خبرة نسيبة الواسعة في العمل الأممي وقدرتها على التعامل مع التحديات الدولية. وبموجب ميثاق المنظمة، يوصي مجلس الأمن بمرشح لمنصب الأمين العام، ثم تتولى الجمعية العامة تعيينه. وإذا فازت نسيبة بالمنصب، فستصبح أول امرأة تتولى قيادة الأمم المتحدة، وثاني عربي يشغل المنصب بعد المصري بطرس بطرس غالي، الذي تولاه بين عامي 1992 و1996.

واشتهرت نسيبة بما يعرف داخل أروقة الأمم المتحدة بـ"الدبلوماسية الريادية"، وهو أسلوب يعتمد على التحركات الميدانية غير التقليدية لكسر الجمود، كما حدث عندما أرادت تمرير القرار 2720 الخاص بتسهيل المساعدات إلى غزة عام 2023؛ حيث نظمت زيارة لأعضاء مجلس الأمن إلى معبر رفح ليشاهدوا الواقع بأنفسهم، مما ساهم في تأمين الدعم اللازم.
وتتمتع نسيبة بالقدرة على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ العملي، ما جعلها –بحسب مراقبين- مرشحة طبيعية في لحظة تحتاج فيها المنظمة إلى "تعاقب للأجيال".
رحلة لن تكون سهلة
ربما منح نفوذ الإمارات نسيبة قدرا كبيرا من فرص النجاح في اعتلاء قمة الهرم الأممي حول العالم. لكن رحلة اجتياز خط النهاية تحتاج إلى منافسة شخصيات من العيار الثقيل، يتقدمهم أربع سيدات تقلدن مناصب دولية وداخلية كبيرة، إضافة إلى ثلاثة رجال. ففي أواخر يوليو الماضي، أجريت جولة أولى من التصويت –قبل انضمام نسيبة رسميا إلى حلبة التنافس- ضمت النائبة السابقة لرئيس كوستاريكا ريبيكا جرينسبان، ووزيرة خارجية غيانا السابقة كارولين رودريجيز بيركيت، ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة الأرجنتيني رافائيل جروسي، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت التي شغلت في السابق منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وماريا فرناندا إسبينوسا هي دبلوماسية وسياسية وشاعرة من الإكوادور.
كما تضم قائمة المرشحين أيضا الرئيس السنغالي السابق ماكي سال الذي ارتبط بتاريخ طويل من العلاقات الوثيقة بسلطات الاحتلال الإسرائيلي، ودفع باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل في عام 2017، وربط السنغال بمشروعات مشتركة مع الكيان الصهيوني، إضافة إلى أولارا أوتونو، وهو دبلوماسي أوغندي ووكيل سابق للأمين العام للأمم المتحدة رشحته أوغندا لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وهو الأكبر سنًا بين المرشحين الحاليين للمنصب، إذ يبلغ من العمر 75 عاما.
أمل يتجاوز حدود الكلمات
وبين جذورها المقدسية وموقعها الدبلوماسي الإماراتي، تقف نسيبة أمام امتحان يتجاوز طموح امرأة في الوصول إلى أعلى منصب أممي، ببينما يقف -في خلف الصورة- طفل في غزة يحلم بأن تصمت أصوات القنابل ونيران الاحتلال وحياة الخيام، وآخر صومالي يبحث عن وجبة تسد جوعه، وأم سودانية تخشى أن تفقد ما تبقى من أسرتها، وملايين البشر الذين لا يعرفون متى تنتهي الحرب أو أين يجدون الأمان.
تقف نسيبة –إذن- أمام امتحان تقاس نتائجه بوجوه الأطفال الذين يستعيدون ابتساماتهم، وبالأمهات اللواتي لا يودعن أبناءهن، وبالبشر الذين يجدون في العالم مكانًا أقل قسوة. فهل تستطيع نسيب أن تجعل من "الدبلوماسية الريادية" أكثر من لغة تتبادلها العواصم، وأن تمنح الأمل معنى يتجاوز حدود الكلمات؟




