توجيهات السيسي تؤسس لمرحلة جديدة في الرياضة المصرية
لم تعد قيمة الإنجاز الرياضي تُقاس بعدد اللاعبين المشاركين في البطولات، ولا بحجم البعثات التي تمثل مصر في المحافل الدولية، وإنما بقدرتها على المنافسة واعتلاء منصات التتويج. وهذه هي الفلسفة التي تعكسها توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بضرورة ترشيد الإنفاق الرياضي، وتوجيه الموارد إلى الألعاب والرياضيين الأكثر قدرة على المنافسة وتحقيق الإنجازات الأولمبية والدولية، بالتوازي مع بناء أجيال جديدة من الأبطال.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة الكم إلى ثقافة الكيف، ومن الاحتفاء بأكبر بعثة في التاريخ إلى الاحتفاء بأفضل إعداد وأعلى قدرة على المنافسة. فالسؤال الذي يجب أن يسبق كل مشاركة هو: هل نذهب للمنافسة أم لمجرد المشاركة؟ إذا كانت للمنافسة فأهلًا بها، أما المشاركة لمجرد الحضور فتستوجب إعادة النظر في أولوياتنا.
وتأتي مشاركة مصر في أولمبياد الشباب بداكار لتقدم نموذجًا عمليًا لهذا التحول؛ فبعثة ضمت 45 رياضيًا فقط، وهي الأقل عددًا مقارنة بالمشاركات المصرية السابقة، استطاعت أن تبلغ برصيدها من الميداليات الذهبية الحصيلة التي حققتها مصر في أولمبياد الشباب ببوينس آيرس، رغم أن البعثة آنذاك ضمت 68 رياضيًا.
إنها ليست مجرد مقارنة بين رقمين، بل رسالة تؤكد أن حسن الاختيار، ودقة التخطيط، وكفاءة توجيه الإنفاق، يمكن أن تحقق إنجازًا أكبر بإمكانات أكثر كفاءة.
ويستحق هذا التوجه الإشادة بجهود وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية، وما تحقق من تنسيق وتعاون في إطار رؤية مشتركة لتحديد الألعاب الواعدة، وانتقاء العناصر القادرة على المنافسة، وتوجيه برامج الإعداد والدعم وفق معايير موضوعية.
ويبقى للاتحادات الرياضية الدور الأهم في استكمال هذه المنظومة؛ من اكتشاف المواهب ورعاية الناشئين، إلى إعداد الأبطال فنيًا وبدنيًا ونفسيًا، ووضع خطط طويلة المدى تضمن استمرارية الإنجاز. فالبطل الأولمبي لا يُصنع قبل البطولة بأشهر، وإنما هو ثمرة سنوات من العمل والتخطيط والاستثمار في الموهبة.
والرهان الحقيقي لا يتوقف عند ميداليات أولمبياد الشباب، بل يمتد إلى تحويل هذه المواهب إلى أبطال قادرين على المنافسة في بطولات العالم والدورات الأولمبية للكبار، بما يضمن استدامة الإنجاز وصناعة أجيال متعاقبة من الأبطال.
إن الرياضة المصرية تسير في الاتجاه الصحيح، حين تتحول المشاركة من غاية إلى وسيلة، والإنفاق من مجرد دعم إلى استثمار، والتخطيط من رد فعل إلى رؤية للمستقبل.
فمصر لا تحتاج إلى أكبر بعثة رياضية في التاريخ بقدر ما تحتاج إلى أكبر عدد من الأبطال القادرين على صناعة التاريخ. فالإنجاز الحقيقي ليس أن نشارك بأعداد أكبر، بل أن نعود بإنجازات تليق باسم مصر ومكانتها.
