رئيس التحرير
عصام كامل

سمنود.. عراقة التقاليد وأصالة الترابط الاجتماعي

18 حجم الخط

الأفراح في القرى المصرية ليست مجرد مناسبات اجتماعية للاحتفال بالزواج، بل هي صورة حقيقية من صور الترابط الإنساني والتكافل الاجتماعي، ومناسبة تتجلى فيها أصالة المصريين وكرم ضيافتهم، وتظهر فيها قوة الروابط التي تجمع العائلات والأصدقاء وأبناء المجتمع الواحد، مهما اختلفت آراؤهم أو تباينت مواقفهم.


وقد عشت هذه المعاني عن قرب، عندما تشرفت بدعوتي لحضور عقد قران اثنين من أبناء أصدقائي الأعزاء، النائب محمد زايد والحاج مصطفى زايد بقرية الناصرية، مركز سمنود بمحافظة الغربية؛ وهي عائلة تربطني بها علاقة صداقة قديمة ومتينة، تمتد جذورها إلى الآباء، بل إلى الأجداد، لتؤكد أن العلاقات الصادقة لا تصنعها الأيام وحدها، وإنما تبنيها المواقف والذكريات والوفاء المتوارث عبر الأجيال.


ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن المناسبة تتجاوز حدود الاحتفال العائلي، لتصبح عرسًا اجتماعيًا كبيرًا شارك فيه الأهل والأصدقاء وأبناء قرية الناصرية، إلى جانب أبناء القرى المحيطة ومختلف أنحاء مركز سمنود. كما حرص كثير من الأصدقاء والمحبين على الحضور من مدن مصر المختلفة، تقديرًا لمكانة العائلة وما يجمعها بالناس من علاقات طيبة وممتدة.


وقد كان كرم الضيافة وحسن الاستقبال عنوانًا بارزًا لهذه المناسبة، في مشهد يعكس أصالة العائلات المصرية وحرصها على إكرام ضيوفها، والاحتفاء بهم باعتبارهم جزءًا من الأسرة الكبيرة. فالجميع مرحب به، والجميع يجد مكانه بين الحاضرين، وكأن الفرحة ليست فرحة أسرة بعينها، بل فرحة قرية بأكملها.


من العادات الأصيلة في كثير من القرى المصرية أن تمتد الأفراح لعدة أيام، وأن تُقام موائد الطعام للغداء والعشاء، ويُدعى إليها الأقارب والأصدقاء والجيران وأبناء القرية، فضلًا عن الفقراء والمحتاجين، حتى يشارك الجميع في الفرحة دون تمييز.


وهنا تتجلى قيمة هذه التقاليد؛ ويصبح الفرح مساحة للتراحم والتعاون، وفرصة لتجديد العلاقات وتقوية أواصر المحبة بين الناس. ولعل أجمل ما في الأفراح المصرية أنها قادرة على جمع أشخاص ربما فرقت بينهم خلافات شخصية أو تباينات في الآراء والمواقف السياسية. فعندما تُفتح أبواب البيوت لاستقبال المهنئين، تتراجع الخلافات أمام مشاعر الود، ويجد الناس فرصة للقاء والتواصل وتجاوز ما بينهم من اختلافات.


فالاختلاف أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن الحفاظ على الاحترام المتبادل وروابط القرابة والصداقة والجيرة هو ما يمنح المجتمع قوته وتماسكه. وفي الأفراح، كما في الأزمات، تظهر معادن الناس الحقيقية، ويتأكد أن ما يجمع المصريين أكبر بكثير مما قد يختلفون حوله.


ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه العادات والتقاليد ليس مجرد تمسك بالماضي، بل هو استثمار في العلاقات الإنسانية، وترسيخ لقيم الانتماء والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية. إن ما شهدته في قرية الناصرية يعكس جانبًا مهمًا من طبيعة المجتمع المصري، الذي تقوم قوته على تماسك أسرِه، وترابط قراه ومدنه، وقدرة أبنائه على التكاتف في المناسبات السعيدة والأوقات الصعبة.


وهو معنى يتسق مع ما يؤكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاباته بشأن أهمية وحدة المصريين وتماسك النسيج الوطني. فاستقرار الدول لا يعتمد على مؤسساتها وحدها، بل يستند أيضًا إلى قوة المجتمع، وثقة أفراده بعضهم ببعض، وقدرتهم على تجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة المشتركة.

وعندما تكون روابط المحبة والتكافل راسخة بين المواطنين، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر تماسكًا في مواجهة محاولات الإضرار بالدولة أو النيل من استقرارها. فالوحدة الوطنية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى القرية والمدينة، لتشكل في مجموعها نسيجًا وطنيًا واحدًا.


الناصرية.. نموذج للأصالة وكرم الضيافة

لقد كانت مشاركتي في عقد قران محمود ومحمد زايد فرصة لاستعادة معانٍ أصيلة نفتخر بها جميعًا؛ معاني الوفاء للعلاقات القديمة، واحترام الروابط الممتدة بين الأجيال، وكرم الضيافة، والحرص على مشاركة الآخرين أفراحهم.

فمصر ليست مجرد أرض تجمع أبناءها، بل مجتمع تصنع قوته روابط المحبة والتكافل والوفاء. وفي أفراح القرى المصرية تتجسد هذه الحقيقة بأبهى صورها؛ إذ يجتمع الناس على قلب واحد، وتتراجع الخلافات أمام المحبة، وتبقى الألفة والتراحم من أهم أسباب قوة المجتمع ومتانة نسيجه الوطني.

الجريدة الرسمية