رئيس التحرير
عصام كامل

هل قاد زيلينسكي أوكرانيا إلى كارثة كان يمكن تجنبها؟

18 حجم الخط

بعد سنوات من الحرب الروسية الأوكرانية، وما خلفته من آلاف القتلى والجرحى، ودمار واسع للبنية التحتية، واستنزاف للاقتصاد وتهجير للملايين، يبرز سؤال جوهري: هل كان بإمكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تجنيب بلاده جانبًا كبيرًا من هذه المأساة لو تعامل بمرونة أكبر مع فرص السلام؟


فالقائد لا يُقاس فقط بقدرته على مواصلة القتال، بل بحكمته في حماية شعبه، وتقديره لكلفة المواجهة، واستعداده لاغتنام الفرص الدبلوماسية لإنهائها. لقد كان على زيلينسكي أن يوازن بين الدفاع عن سيادة بلاده وبين الحفاظ على أرواح مواطنيه ومقدرات دولتهم. وإذا كانت مواقفه التفاوضية قد أسهمت في إهدار فرص حقيقية للتسوية، فإن ذلك يستوجب مراجعة جادة، لأن الشعارات وحدها لا تعيد بناء المدن، ولا تعوض الضحايا، ولا تنقذ اقتصادًا أنهكته الحرب.

ترامب وبوتين.. هل تقترب ساعة التسوية؟

في هذا السياق، يبرز تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع عبر التفاوض والضغط السياسي على كييف، باعتباره محاولة لكسر دائرة الاستنزاف وفتح الطريق أمام اتفاق ينهي الحرب.. كما أن التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمثل مسارًا مهمًا، بالنظر إلى دور موسكو المحوري في الصراع. غير أن نجاح أي تفاهم روسي أمريكي يظل مرهونًا بتحويل التصريحات إلى اتفاق قابل للتنفيذ، يعالج القضايا الأمنية والإقليمية ويمنع تجدد القتال.


إن السلام ليس استسلامًا، والتفاوض ليس ضعفًا؛ بل قد يكونان الخيار الأكثر عقلانية عندما تصبح كلفة الحرب أكبر من المكاسب المحتملة. وكان الأجدر بالقيادة الأوكرانية أن تدرس كل فرصة جدية للتسوية، بدلًا من ترك البلاد تواجه مزيدًا من الدمار والاستنزاف.


أوكرانيا تحتاج إلى قيادة تنقذ المستقبل

لم يعد التحدي الأوكراني مقتصرًا على جبهات القتال، بل امتد إلى إعادة بناء البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد، واستعادة الاستثمارات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين. وهي مهمة تتطلب سلامًا مستدامًا وقيادة قادرة على تقديم المصالح الوطنية على الحسابات السياسية.


ومن هنا، تصبح محاسبة زيلينسكي سياسيًا مطلبًا مشروعًا، من خلال تقييم قراراته ومواقفه التفاوضية والفرص التي أتيحت لإنهاء الحرب. وإذا أراد الأوكرانيون قيادة جديدة أكثر قدرة على الوصول إلى تسوية، فمن حقهم اختيارها عبر الآليات الدستورية والديمقراطية.

إن المأساة الأوكرانية تؤكد أن القائد لا يُختبر فقط في قدرته على خوض الحرب، بل في قدرته على إنهائها عندما يصبح استمرارها تهديدًا لمستقبل وطنه. وتبقى مبادرات ترامب وفرص التفاهم مع بوتين جديرة بالتقييم بقدر ما تستطيع تحقيقه من سلام حقيقي، لا هدنة مؤقتة.

فأوكرانيا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى اتفاق يحفظ الأرواح، ويوقف نزيف الاقتصاد، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار. فالأوطان أكبر من قادتها، والتاريخ يحاسب السياسيين على قراراتهم، وعلى ما كان بإمكانهم فعله لتجنب الكوارث أو الحد من آثارها.

الجريدة الرسمية