رئيس التحرير
عصام كامل

ياسر عرفات.. مصر الهوى وفلسطين الحكاية.. "أبو عمار" من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة.. ومن حلم الدولة إلى واقع تأسيسها المتعثر

الزعيم الفلسطيني
الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات
18 حجم الخط

"أعاد ترميم الحكاية والرحلة. نجا من غارة على غرفة النوم في تونس. ونجا مرة أخرى من سقوط طائرته في الصحراء الليبية. نجا من آثار حرب الخليج الأولى. ونجا من صورة الإرهابي واستبدلها بصورة الحائز جائزة نوبل للسلام. وحقق نبوءته التي سكنته طوال العمر. عاد إلى أرض فلسطين، عاد إلى أرض ميعاده".

هكذا رثى الشاعر الراحل محمود درويش الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، الذي غادر العالم في 11 نوفمبر 2004، في نص اختار له عنوان "النعي المتأخر"؛ حيث لم يكن الرحيل سهلا على شاعر ظل، مثل كثيرين، ينتظر عودة "سيد النجاة" حاملا بداية جديدة، لكن الزمن كان قد كتب فصلا مختلفا؛ زمنا، كما وصفه درويش، "أقوى من شاعرية الأسطورة وسحر العنقاء".

فلسطينيا عاش، وفلسطينيا مات، لكن القاهرة كانت بداية الحكاية؛ ففي حي السكاكيني بمحافظة القاهرة، ولد محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني، المعروف بياسر عرفات، في 24 أغسطس 1929، لأب فلسطيني من أصول مصرية يعمل في تجارة الأقمشة، وأم تنتمي إلى عائلة مقدسية عريقة. وبين القاهرة والقدس تشكلت ملامح طفولته الأولى، بعدما فقد والدته وهو في الخامسة من عمره، وانتقل للعيش مع خاله في القدس، ليكون شاهد عيان على قصة لم تفارق ذاكرته، عندما اقتحم الجنود البريطانيين منزل العائلة ليلا، واعتدوا على أفرادها وحطموا أثاث المنزل.

فلسطين.. عنوان حياة ومسيرة

بعد أربع سنوات أمضاها عرفات في القدس، أعاده والده إلى القاهرة، حيث تولت شقيقته الكبرى رعايته وإخوته. لكن فلسطين لم تكن بعيدة عن وجدانه أو كما يقال " لن تخطئ البوصلة الطريق أبدا، ستظل تُشير إلى فلسطين". فقبل أن يتم عامه السابع عشر، كان عرفات يتولى عملية تهريب الأسلحة إلى فلسطين لاستخدامها في مواجهة القوات البريطانية والعصابات الصهيونية.

عرفات بين رفاقه حاملا سلاحه مؤمنا بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة
عرفات بين رفاقه حاملا سلاحه مؤمنا بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة

وفي التاسعة عشرة، ترك دراسته في جامعة فؤاد الأول، التي أصبحت جامعة القاهرة لاحقا، ليلتحق بالمقاتلين الفلسطينيين في قطاع غزة، خلال حرب عام 1948. هكذا بدأت رحلة لم يكن فيها اسم فلسطين مجرد امتداد لأصوله العائلية، بل قضية ستصبح عنوان لحياته ومسيرته.

يا جبل ما يهزك ريح

"يا جبل ما يهزك ريح".. خمس كلمات اختزلت ملامح شخصية ياسر عرفات، ورسمت مسار رحلة اعتاد فيها الوقوف في وجه العواصف، مهما اشتدت. فبعد أن أثقلت هزيمة العرب عام 1948 وإقامة الكيان الإسرائيلي كاهله، قرر أن يوجه بوصلته نحو العلم، فتقدم بطلب للحصول على تأشيرة للدراسة في جامعة تكساس. لكن الحلم الفلسطيني لم يفارقه،، متمسكا بحلمه بوطن فلسطيني مستقل، حتى عاد إلى جامعة الفؤاد ليتخصص في الهندسة، وليمضي كل وقته في قيادة الطلاب الفلسطينيين وتنظيم صفوفهم.

يقول درويش ناعيا عرفات: "الآخرون أضافوا إلى الصراع على الحاضر صراعا على الماضي، بمحو الحدود بين ما هو تاريخي وما هو خرافي. ولتجريد الفلسطيني من شرعية وجوده الوطني على هذه الأرض. لكن البحث عن الحاضر هو شغل الناس وشاغلهم، وهو ميدان عمل السياسة، وعمل القائد المتطلع إلى الغد".

عرفات والزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر
عرفات والزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر

حصل عرفات على شهادته الجامعية عام 1956، وعمل لفترة وجيزة في مصر، ثم استقر في الكويت، حيث عمل أولا في دائرة الأشغال العامة، ثم أسس بنجاح شركة مقاولات خاصة به. وكرّس عرفات –بحسب موقع جائزة نوبل التي حصل على نصف جائزتها للسلام في عام 1994- كل وقت فراغه للأنشطة السياسية، التي كان يساهم فيها بمعظم أرباحه..

من قيادة الخلايا السرية إلى واجهة الحركة الوطنية الفلسطينية 

وفي عام 1958، وضع عرفات مع مجموعة من رفاقه اللبنة الأولى لحركة "فتح"، عبر شبكة سرية من الخلايا التنظيمية، قبل أن تبدأ الحركة عام 1959 إصدار مجلة تدعو إلى الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. ومع نهاية عام 1964، غادر الكويت بعدما استقر في قناعته بأن الثورة هي الطريق إلى التحرير.

طريق التحرير كان مقصد عرفات ومبتغاه، أما تأسيس "فتح" فكان نقطة انطلاق لمشروع سياسي وعسكري أوسع، تمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، التي سعى إلى جمع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تحت مظلتها. ومع توليه رئاسة لجنتها التنفيذية، تحولت "فتح" إلى تنظيم فلسطيني وطني مستقل، واتخذت من الأردن مقرا لها، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرة عرفات، انتقل فيها من قيادة الخلايا السرية إلى واجهة الحركة الوطنية الفلسطينية.

أيلول الأسود..  تدخل مصري فاصل

وعلى الرغم من أحداث "أيلول الأسود" التي اندلعت في سبتمبر من عام 1970، والتي شهدت تحول الخلاف بين الفصائل الفلسطينية وبين السلطات الأردنية إلى مواجهة مسلحة مباشرة، بعدما اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عدة طائرات، وأجبرت اثنتين منها على الهبوط في مطار "داوسن" في الصحراء الأردنية، وأتبعتها لاحقا بطائرة ثالثة، في 6 سبتمبر، ليشعل الغرب –وفي القلب منه الولايات المتحدة- نيران الغضب.

خطوة أرادها المناضلون رسالة للفت الأنظار إلى "وطن يسرق بأكمله"، وأرادتها الاستخبارات الأمريكية وسيلة للخلاص من عرفات، فيما تعامل معها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر –في أيامه الأخيرة- باعتبارها واجبا يستحق التدخل لوقف الاقتتال وإنقاذ رموز المقاومة الفلسطينية، حتى لو تطلب الأمر أن يتولى إنقاذ عرفات رئيس أركان القوات المسلحة المصرية–آنذاك- ووزير الحربية اللاحق الفريق أول محمد أحمد صادق.

جدارية بوسط مدينة غزة ضمت المؤسسين الأوائل لحركتي فتح وحماس ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين
جدارية بوسط مدينة غزة ضمت المؤسسين الأوائل لحركتي فتح وحماس ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين

كان صادق يتلقى الأمر بينما يرقد في المستشفى استعدادا لإجراء عملية جراحية، لكن المهمة بدت أكبر من أن تنتظر تعافيه. ومن هناك بدأت رحلة إخراج عرفات من الأردن، بنقله أولا إلى مقر السفارة المصرية في عمان، قبل أن يبتكر صادق حيلة لتأمين وصوله إلى القاهرة؛ حيث أبدى رغبته في اصطحاب عدد من المصريين الذين حاصرتهم الأحداث في الأردن وإعادتهم إلى بلادهم، ونجح في إدراج عرفات بينهم داخل الطائرة. وحين حطت الطائرة في القاهرة، كان وصول الزعيم الفلسطيني مفاجأة لعبد الناصر نفسه، وفقا لما أورده صادق في الجزء الأول من مذكراته.

من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة

يقول محمود درويش ناعيا عرفات: كان الفصل الأطول في حياتنا. وكان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر.

لم تكن كلمات درويش مجرد نعي لزعيم رحل، بل اختزلت مسيرة رجل آمن بأن النكبة ليست نهاية الحكاية، وأن ما تبقى من رماد فلسطين يمكن أن يتحول إلى جمرة مقاومة، ومنها إلى حلم الدولة، مهما تعثرت خطوات الوصول إليها. فقد عاش عرفات على إيقاع هذه الحكاية، متنقلا بين العواصم والبلدان، حاملا القضية الفلسطينية إلى المحافل السياسية، ومحاولا إبقاءها حاضرة في ذاكرة العالم.

وطوال تلك الرحلة، كان عرفات شديد الحرص على سرية تحركاته، مثلما أحاط حياته الخاصة بجدار من الكتمان؛ حتى زواجه من سهى الطويل، الفلسطينية التي تصغره بنحو نصف عمره، ظل بعيدا عن الأضواء لنحو 15 شهرا، قبل أن يكشف عنه.

نكبة الرحيل عن بيروت

بعد 88 يوما من الحصار والقصف الإسرائيلي، اضطر ياسر عرفات إلى مغادرة بيروت في 30 أغسطس 1982، في واحدة من أكثر المحطات قسوة في مسيرته. لم يكن الخروج مجرد انتقال من عاصمة عربية إلى أخرى، بل كان اقتلاعا جديدا لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من ساحة المواجهة، بعدما أحكم جيش الاحتلال الإسرائيلي حصاره على المدينة، وهدد بتدميرها، لتصبح مغادرة عرفات ورفاقه مخرجا كي يجنبوا بيروت مزيدا من الدمار.

ومع بزوغ الفجر، غادر عرفات بيروت بحرا على متن الباخرة اليونانية "أتلانتس"، ضمن عملية إجلاء شملت قيادات ومقاتلي منظمة التحرير، متجها إلى تونس التي أصبحت محطة نفيه الجديدة، بدعوة من الرئيس الحبيب بورقيبة. وهكذا، أغلقت صفحة بيروت في حياة "أبو عمار"، لكن رحلة المنفى لم تطوِ القضية التي حملها، بل نقلت معركته من ميادين المواجهة العسكرية إلى ساحات السياسة والدبلوماسية.

الانتفاضة الفلسطينية تعيد إشعال لهيب المقاومة

مثلت الفترة التي تلت الخروج من لبنان مرحلة صعبة للغاية بالنسبة لعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. ثم جاءت "الانتفاضة" لتعزز موقف عرفات؛ حيث وجهت أنظار العالم نحو المعاناة القاسية التي يعيشها الفلسطينيون. وفي عام 1988، طرأ تحول على سياسة عرفات؛ ففي خطاب ألقاه أمام جلسة خاصة للأمم المتحدة عقدت في جنيف بسويسرا، أعلن عرفات دعم منظمة التحرير الفلسطينية "لحق جميع الأطراف المعنية في صراع الشرق الأوسط في العيش بسلام وأمن، بما في ذلك دولة فلسطين وإسرائيل ودول الجوار الأخرى".

وهكذا، لاحت في الأفق بوادر إيجابية للتوصل إلى اتفاق سلام مع "إسرائيل"، مما أدى في النهاية إلى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، والذي تضمن بنودا لإجراء انتخابات فلسطينية، وهو ما حدث بالفعل في مطلع عام 1996، حيث انتخب عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية.

تطعيم النضال بقليل من البعد الغيبي

يقول درويش: الرموز أيضا تتخاصم، كما يتخاصم التاريخ مع الخرافة، والواقع مع الأسطورة. لذلك كان ياسر عرفات، الواقعي إلى أقصى الحدود، في حاجة أحيانا إلى تطعيم خطابه بقليل من البعد الغيبي. هكذا يقول درويش، مضيفا: لو كانت تلك هي النهاية لانقلبت التراجيديا الإغريقية على شروطها. لكن شارون، العائد من ضواحي بيروت نادما على ما لم يفعل، سيلاحق خصمه الكبير في رام الله. سيحاصره ثلاث سنوات. سيحول مقره أطلالا، وسيسمم حياته بالحصار والعزلة، وسيحرمه من الموت كما يشتهي شهيدا في مقره. فإن شارون لا يحارب الشخص ولا يحارب نصه الوطني فحسب، بل يحارب إشعاع الرمز في الزمن، ويحارب أثر الأسطورة في ذاكرة الجماعة.

الراحل ياسر عرفات بصحبة زوجته سهى
الراحل ياسر عرفات بصحبة زوجته سهى

"لكن ياسر عرفات، الذي يعي بعمق ما أعد لنفسه من مكانة في تاريخ العالم المعاصر، أشرف بنفسه على توفير وجع ضروري للفصل الأخير من أسطورته الحية. فطار إلى المنفى ليلقي عليه تحية وداع أسلم معها روحه. فالبطل التراجيدي لا يموت إلا في المنفى".

ففي الأشهر الأخيرة من عام 2004، مرض عرفات بعد سنتين من حصار جيش الاحتلال الإسرائيلي له داخل مقره في رام الله، ودخل في غيبوبة. وأعلن عن وفاته فجر يوم الخميس 11 نوفمبر 2004 في مستشفى بيرسي العسكري بباريس عن عمر جاوز 75 عاما.

وينهي درويش رثاءه لعرفات قائلا: وفي طريق عودته المجازية، عرج ذو الهوى المصري على مصر ليسدد لها دينه العاطفي. وعند عودته النهائية، التي لا منفى بعدها، ألقى النظرة الطويلة الأخيرة على الساحل الفلسطيني المغروز كسيف في خاصرة البحر. ثم نام. تدثر الجسد الخفيف بأرض الحلم الثقيل ونام. لا لينهض كصنم أو أيقونة، بل ليكون فكرة حية تحرضنا على عبادة الوطن والحرية، وعلى الإصرار على ولادة الفجر بأيد شجاعة وذكية.

الجريدة الرسمية