رئيس التحرير
عصام كامل

أين دول المنطقة؟

واشنطن وتل أبيب: من العرج الانتخابي إلى شراكة استراتيجية (2)

18 حجم الخط

قلنا في المقال السابق إنه لابد من التمييز بين ما تفرزه الانتخابات الأميركية من تحولات في موازين القوى السياسية الداخلية، وما تملكه فعليًا من قدرة على تغيير الاستراتيجيات الأميركية بعيدة المدى. فالانتخابات النصفية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة تغييرًا في توجهات السياسة الخارجية، كما أنّ إضعاف الرئيس داخليًا لا يعني بالضرورة تقييد قدرته على إدارة الملفات العسكرية والاستراتيجية.

ومن هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاثة مستويات متداخلة: حدود تأثير الانتخابات في قرار الحرب على إيران، وطبيعة الصراع الداخلي الأمريكي ومستقبل ترامب، ثم التحول الأعمق في طبيعة الشراكة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب.

وتكلمنا بالفعل عن الانتخابات النصفية وحدود التأثير، وإيران والتفوق العسكري ومأزق اليوم التالي، وترامب وإعادة إنتاج الهيمنة ونكمل هنا عن العلاقة بين اسرائيل وأمريكا في ضوء الانتخابات الاخيرة.

إسرائيل: من المساعدات إلى الشراكة الاستراتيجية
 

جاء إعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية الأميركية السنوية المباشرة لإسرائيل، التي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار، بحلول نهاية العام، بحسب ما صرّح به في سياق تفاهم قال إنه توصل إليه مع نتنياهو. ولا يمثل هذا التوجه خروجًا عن مسار إسرائيلي سابق؛ فقد طالب نتنياهو، في أكثر من مناسبة، بإعادة تنظيم المساعدات العسكرية، والتوجه نحو توطين صناعة السلاح الأميركي في إسرائيل، والتصنيع المشترك، وإنهاء الاعتماد على المساعدات المباشرة تدريجيًا.

وفي هذا السياق، بدأ البلدان بالفعل، في مايو 2026، مفاوضات رسمية لوضع إطار جديد للتعاون الأمني، يقوم على توسيع الاستثمار المشترك في البحث والتطوير والإنتاج، والانتقال التدريجي من نموذج المساعدات إلى نموذج الشراكة المتبادلة. غير أنّ آليات تنفيذ إعلان ترامب لم تتضح بعد، خصوصًا أنّ مذكرة التفاهم القائمة بين البلدين تمتد حتى سبتمبر 2028، مع إبداء مسؤولين إسرائيليين مفاجأتهم بالإعلان.

 

وبلا مبالغة، أتصور أنّ هذا التوجه يمثل الخطوة الاستراتيجية الأذكى إسرائيليًا، والأخطر على منطقتنا في العقد الأخير، إذا نجحت إسرائيل في تحويله إلى واقع صناعي وتكنولوجي.

فالتحول الحقيقي هو الانتقال من المساعدات العسكرية النقدية والتسليحية المبرمجة، إلى مشاريع وصناديق بحث وتطوير وتصنيع مشترك بين أميركا وإسرائيل، بمبالغ قد تتجاوز قيمة التمويل العسكري السنوي الحالي بأضعاف، وَفق تقديرات وتصورات تداولها المعلقون الإسرائيليون.

 

ومع ذلك، فإنّ هذا التحول ليس مسارًا محسومًا؛ فقد يتجه نحو شراكة استراتيجية متقدمة تحقق تكاملًا صناعيًا وتكنولوجيًا أعمق بين البلدين، أو يظل محصورًا في قطاعات عسكرية وتقنية محددة، أو يتعثر بفعل الخلافات السياسية والاعتبارات المالية والصناعية، بما يفضي إلى صيغة وسط تجمع بين المساعدات والتعاون المشترك. لكن هذه الاحتمالات، على اختلافها، لا تلغي دلالة التحول في حد ذاته، من علاقة تقوم أساسًا على التمويل والتسليح إلى علاقة تتجه نحو الشراكة في إنتاج أدوات القوة وتطويرها.

 

وبهذا، تتوقف إسرائيل تدريجيًا عن كونها دولة مدعومة بالمساعدات، كما هي حال معظم دول المنطقة التي تتلقى هبات أميركية بشروط سياسية وعسكرية مقيِّدة، وأحيانًا مهينة، وتتحول إلى شريك في تطوير وإنتاج بعض أكثر المشاريع العسكرية تقدمًا في العالم؛ من تقنيات الليزر عالي الطاقة، والذكاء الاصطناعي، إلى منظومات الدفاع الصاروخي مثل "حيتس" و"مقلاع داود"، وغيرها من التقنيات المتقدمة. وهذا كله قد يكتسب زخمًا أكبر في ظل التحول الجديد.

 

والأهم من ذلك ليس مجرد خلق جيل جديد من التكنولوجيا العسكرية لصالح إسرائيل وأميركا معًا، وإنما التحول الدراماتيكي في طبيعة العلاقة بينهما؛ فهذه الشراكة لا يمكن أن تترك إسرائيل معلقة بأميركا عسكريًا بالطريقة التقليدية نفسها، بل قد تمنحها استقلالية إنتاجية وتكنولوجية أكبر، وتضمن لها الحفاظ على تفوقها العسكري، وتعزز قدرتها على التأثير في تسليح الدول التي تعتمد على السلاح الأميركي.

 

ولعل الطموح الإسرائيلي الأبعد من ذلك هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الأميركيون أنفسهم معتمدين على التكنولوجيا والعقل الإسرائيلي، بما قد ينقل إسرائيل من لاعب إقليمي إلى لاعب دولي رئيس، لا يكتفي باستهلاك التكنولوجيا العسكرية الأميركية، بل يشارك في إنتاجها وتطويرها والتأثير في اتجاهاتها.

 

وهنا لا نتحدث عن مجرد تغيير في آليات التمويل العسكري، بل عن إعادة توزيع الأدوار داخل الشراكة الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، وعن محاولة إسرائيل الانتقال من موقع المستفيد من التفوق الأمريكي إلى موقع الشريك في صناعته.

 

قد تنشغل المنطقة بنتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، وبما إذا كان ترامب سيخرج منها أقوى أو أضعف، وقد تنشغل أيضًا بتداعيات الحرب مع إيران واحتمالات استمرارها أو توقفها. لكن ما يستحق الانتباه أكثر هو التحولات الاستراتيجية التي تجري بعيدًا عن ضجيج الانتخابات، والتي قد تعيد رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

 

فإذا نجحت إسرائيل في التحول إلى شريك أساسي في إنتاج التكنولوجيا العسكرية الأميركية وتطويرها، فإنّ التداعيات لن تقتصر على تعزيز تفوقها العسكري، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وتوسيع الفجوة التكنولوجية بينها وبين دول المنطقة، وتعزيز قدرتها على التأثير في منظومات التسليح والتحالفات العسكرية المحيطة بها.

 

وهذا يضع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج ومصر، أمام معادلة استراتيجية جديدة. فهذه الدول لن تستطيع تجاهل التحول في طبيعة القوة الإسرائيلية، أو الاكتفاء بالتعويل على علاقاتها التقليدية بواشنطن لضمان توازن القوى. 

وقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية، وتسريع برامج توطين الصناعات العسكرية، وتوسيع التعاون التكنولوجي والعسكري البيني، إلى جانب تنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لمصدر واحد، ومواجهة العوائق بمختلف أشكالها التي قد تعترض توجهاتهم.

 

ولا يقتصر صدى هذا التحول عند الدول العربية فقط، إنما سيصل صداه إلى كل من تركيا وإيران بوصفهما قوى إقليمية مؤثرة. 
أمّا تركيا، فإن موقعها في المعادلة الاستراتيجية المقبلة يختلف عن موقع إيران؛ فهي عضو في حلف الناتو، وتمتلك ثقلًا عسكريًا وجغرافيًا يجعلها شريكًا رئيسًا لواشنطن في إدارة ملفات الصراع، الممتدة من غزة إلى سوريا والعراق وليبيا وأوكرانيا، وإن احتفظت بهامش من الاستقلال في تحديد مصالحها وأولوياتها. 

ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن تتجه واشنطن إلى بناء مشروع تعاون دفاعي وتكنولوجي موازٍ معها، وإن كان أقل امتيازًا وعمقًا من شراكتها مع إسرائيل، خصوصًا أنّ تركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متنامية، رغم ما يعتري علاقاتها مع تل أبيب من تنافس وتباينات إقليمية.

 

وأمّا إيران، فإنها تخوض مواجهة قاسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تتجاوز استهداف قدراتها العسكرية إلى الضغط من أجل تغيير النظام وإنهاء دوره بصيغته الحالية في المعادلة الإقليمية. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أمام مسارين محتملين: قيام نظام جديد يندمج في المنظومة الإقليمية تحت الرعاية الأميركية، أو انزلاق البلاد إلى صراعات طائفية ومذهبية قد تشعل المنطقة لسنوات.

وفي كلا الحالين، ستواجه إيران صعوبة كبيرة في موازنة التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي الإسرائيلي؛ فحتى إذا ثبت اتساع المساعدات الروسية والصينية، فإنها قد تساعد طهران على ترميم بعض قدراتها، لكنها لن تتيح لها مجاراة ذلك التفوق.

 

لكن التحدي الأكبر أمام الدول العربية لا يكمن فقط في امتلاك السلاح أو تنويع مصادره، بل في القدرة على بناء رؤية أمنية إقليمية مشتركة، وتطوير قاعدة علمية وصناعية تتيح لها المشاركة في إنتاج التكنولوجيا العسكرية، بدلًا من البقاء في موقع المستهلك لها. فالتفوق في المرحلة المقبلة لن تحدده كمية الأسلحة وحدها، بل القدرة على تطويرها والتحكم في تقنياتها وسلاسل إنتاجها.

قد تخسر إسرائيل المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة، لكنها قد تربح علاقة أكثر عمقًا من علاقة المانح بالمتلقي؛ علاقة الشريك الذي يشارك في تطوير أدوات القوة وصناعتها.

وهنا لا يكون السؤال كم مليار دولار ستتوقف واشنطن عن دفعها لتل أبيب، بل أي موقع ستحتله إسرائيل في هندسة القوة العسكرية الأميركية مستقبلًا، وما الذي يعنيه ذلك لميزان القوى في الشرق الأوسط، وكيف ستتعامل دول المنطقة مع واقع استراتيجي جديد قد تجد نفسها فيه أمام ضرورة إعادة بناء حساباتها الأمنية والدفاعية.

الجريدة الرسمية