بنيامين ديفيس.. عندما تصبح دقائق الصمت تضامنا مع ضحايا الجوع في فلسطين جريمة.. فقد وظيفته دفاعا عن غزة وآمن بأن السكوت على الظلم ليس حيادا
على مدى 26 عاما، قضى بنيامين ديفيس جزءا كبيرا من حياته داخل أروقة منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، مؤمنا بأن إطعام الجائعين والدفاع عن حق ضحايا الحروب والضعفاء في الحصول على الغذاء ليس منحة من أحد، بل حق إنساني لا يجب أن يخضع لـ"ألاعيب السياسة" أو "حيل الانتقام".
وظل هذا الاعتقاد راسخا لدى الأمريكي ذي الأصول الإسبانية، البالغ من العمر 62 عاما، حتى وجد نفسه طريدا من "جنة الأمم المتحدة"، عقابا على اقتحامه ملف الجوع –والتجويع- في غزة، وسط تقديرات "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" بأن أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من سكان قطاع غزة البالغ عددهم أكثر من 2.2 مليون نسمة، يواجهون أزمة "انعدام الأمن الغذائي الحاد"!

بملامحه الهادئة، ووجهه البيضاوي الأبيض، ولحيته وشاربه اللذين غزاهما الشيب، يحمل بنيامين ديفيس سيرة أكاديمية ومهنية ارتبطت طويلا بقضايا الغذاء والتنمية؛ حيث حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي والماجستير في السياسة العامة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، قبل أن يتولى رئاسة قسم "التحول الريفي والمساواة بين الجنسين" في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، وهو القسم الذي يتمحور عمله حول هدف إنساني واضح هو: "لا يجب أن نترك أحدا جائعا خلف الركب".
دقائق الصمت ليست جريمة
ويربط ديفيس فصله من عمله بالجهود التي سلطها لإلقاء الضوء على أزمة الجوع في غزة، وقد تقدم بطعن ضد قرار فصله، مؤكدا أن "قيادة منظمة الأغذية والزراعة (فاو) رفضت تجديد عقده مديرا لقسم "التحول الريفي والمساواة بين الجنسين"، بعدما نشر فريقه موجزا حول الجوع في غزة، وعقد ندوة حول تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على سكان غزة المحاصرين، فضلا عن مشاركته في وقفات صمت أسبوعية داخل مقر المنظمة، تخليدا لذكرى الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وسرعان ما امتد صدى تلك الوقفات إلى خارج أسوار المنظمة، بعدما رصدت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة إحدى وقفات الصمت وسجلتها بالصوت والصورة، قبل أن تتقدم بشكوى إلى قيادة "فاو" بشأن مشاركة ديفيس وفريقه فيها، لتتحول دقيقة الصمت التي أرادها ديفيس تكريما لضحايا الحرب إلى حلقة جديدة في مسار الأزمة التي انتهت بقرار عدم تجديد عقده، والذي انتهى في 30 سبتمبر الماضي، بينما أظهرت لقطات فيديو موظفي المنظمة وهم يقفون ويصفقون له أثناء مغادرته مقرها في روما للمرة الأخيرة!
انحياز منظمة الأغذية والزراعة إلى إسرائيل
ويقول ديفيس، في تصريحات لجريدة "ذا جارديان" البريطانية: إن ذلك التضامن منحه شعورا بأنه ليس وحيدا في مواجهة ما حدث، مضيفا: "إنه شعور طيب أن أعرف أنني لست وحدي، وأن هناك أشخاصا آخرين يساندونني في هذا الأمر. كان الموظفون يوقفونني باستمرار في ممرات المنظمة، وبينهم اشخاص لا أعرفهم، لمجرد مصافحتي أو شكري أو التعبير عن دعمهم لي، أو إبداء استيائهم مما جرى.
والمفارقة أن مقاطع وقفات الصمت، التي أرادها ديفيس تعبيرا رمزيا عن التضامن مع ضحايا الحرب في غزة، أثارت غضب المدير العام للمنظمة، الصيني شو دونيو، والذي هدد بفصل موظفين آخرين بسبب ما زعم أنه "نشاط سياسي"، لتتحول دقيقة الصمت إلى قضية داخل أروقة المنظمة، وتفتح من جديد سؤالا حول انحياز مؤسسة أنشئت في الأساس لمواجهة الجوع وحماية حق الإنسان في الغذاء إلى جانب الإبادة الإسرائيلية، جوعا وتجويعا.
انتقادات الفساد تطال مدير "فاو"
ويأتي هذا الموقف في ظل انتقادات سابقة طالت إدارة شو دونجيو؛ إذ كشف تحقيق صحفي ألماني عام 2023، شاركت في إنتاجه هيئات بث عامة ألمانية، بينها "هيئة بث بافاريا" و"هيئة بث وسط ألمانيا" وقناتا "آر بي بي" و"إس دبليو آر"، أن منظمة "فاو" سهلت ومولت، خلال فترة قيادته، توريد مبيدات حشرية سامة ومحظورة في الاتحاد الأوروبي إلى دول في آسيا وأفريقيا.

تهديدات شو، والذي تحوم شكوك حول آلية انتخابه الأولى عام 2019، حيث أشارت تقارير إلى ضغوط صينية مورست على دول نامية عبر الإعفاء من الديون أو تقديم استثمارات للتصويت لصالحه، بلغت مداها قائلا: "لن نسمح لكم بممارسة لعبة حقوق الإنسان هنا. بالطبع، حقوق الإنسان مهمة للغاية، ولكن توجد هيئة معنية بحقوق الإنسان في جنيف؛ فإذا أردتم الاهتمام بهذا الأمر، فاذهبوا إلى هناك".
وهي تهديدات علق عليها ديفيس بالقول: لقد كان ما قاله بشأن شو حقوق الإنسان أكثر إثارة للصدمة حتى من التهديد بفصل الموظفين. أعتقد أن ذلك صدم الناس حقا؛ لأنه قوض الأسس التي نتواجد هنا من أجلها في المقام الأول، أو الأسباب التي تجعل منظمة الأغذية والزراعة جزءا من الأمم المتحدة، وسبب وجود الأمم المتحدة ذاتها. نحن بالتأكيد منظمة تقوم على مبادئ حقوق الإنسان، أليس كذلك؟، وشعارنا هو "لا نترك أحدا خلف الركب"، أليس كذلك؟
الصمت في مواجهة الظلم ليس حيادا
ويضيف: إن الصمت في مواجهة المعاناة والظلم ليس حيادا، بل تواطؤ. إن وقف النقاش حول تجويع الشعب الفلسطيني يضعف سمعة المنظمة ومشروعية تفويضنا؛ فالالتزام بتفويضنا يقتضي إجراء نقاش صريح ومفتوح حول التجويع والمجاعة والإبادة الجماعية في فلسطين وأماكن أخرى من العالم. أليس كذلك؟
ويتابع ديفيس: لقد قدمت الطعن بدافع المبدأ في المقام الأول، وليس لأنني أسعى للحصول على تعويض مالي أو أتوقع ذلك أو أي شيء من هذا القبيل. لقد طلبت إعادتي إلى عملي، وأن يتراجعوا عن الاتهامات التي وجهوها إلي. أعتقد أننا نعيش لحظات تاريخية ومصيرية بالغة الأهمية فيما يتعلق بعملنا في مجالي الغذاء والزراعة، وفيما يخص مسألة إسكات النقاش حول ما يتعلق بقضية غزة وفلسطين. هناك شعور يسود بين موظفي "فاو" بأن الأمم المتحدة ترتكز على مبادئ جوهرية؛ فهذه هي الغاية من وجودنا، وعلينا أن نجهر بتلك المبادئ وأن ندافع عنها، وأن نضمن حضورها في النقاشات ومراعاتها؛ وإلا، فما الجدوى من وجودنا هنا؟




