الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يهدد العقل البشري.. يؤدي إلى استنزاف كيمياء الدماغ وتراجع المهارات العصبية.. ويؤثر سلبا على المزاج والصحة النفسية.. وهذه أهم الحلول
على مدى السنوات الماضية، اقتحم الذكاء الاصطناعي حياتنا الشخصية بصورة بدا معها استخدام "شات جي بي تي"، و"كلود" و"جيميني" وغيرها أقرب إلى حالة من الإدمان، في ظل الراحة الهائلة التي توفرها تلك الأدوات في حياتنا؛ إذ يمكننا طلب سيارة بضغطة زر، أو الحصول على وجبة ساخنة تصلنا حتى باب منزلنا، وشراء الملابس وإرجاعها دون الحاجة إلى تبادل كلمة واحدة مع أي شخص آخر.
وفي سبيل ذلك، يقايض الناس بيانات موقعهم الجغرافي، وقوائم جهات اتصالهم، وسجل تصفحهم، مقابل الحصول على خرائط مجانية، وتوصيات تسوق مخصصة، ووسائل تواصل سلسة. ويعتقد الكثيرون خطأً أن بياناتهم لا قيمة لها طالما أنهم لا يرتكبون أي جرائم، غافلين عن أن البيانات المجمعة تستخدم للتلاعب بعادات الشراء، والتأثير على الأصوات السياسية، والتنبؤ بأحداث الحياة الشخصية.
وفي السياق، تحذر الإخصائية النفسية الأسترالية كارلي دوبر من خطورة ذلك على حياتنا اليومية، وفق مقال نشرته على صفحات جريدة "ذا جارديان" البريطانية تحت عنوان "الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يفسد عقلك. إليك ما يمكنك فعله حيال ذلك؟، مشددة على أن "عادات نمط الحياة التي تحقق مكاسب قصيرة الأمد، قد تؤدي إلى معاناة على المدى الطويل".
استنزاف كيمياء الدماغ
تقول دوبر: "يميل دماغنا بطبيعته إلى اختيار المسار الأقل مقاومة، ويفضل القيام بما هو أسهل للحفاظ على مواردنا. ونظرا لأن متطلبات الحياة العصرية باتت تشكل عبئا هائلا على الكثيرين، فإن الرغبة في الانغماس في تصفح الإنترنت بعد أسبوع طويل، أو الاعتماد على مساعد ذكاء اصطناعي بسبب الشعور بالإرهاق الشديد، تصبح أمرا مغريا للغاية".

وتشير بعض التقنيات -مثل منصات التواصل الاجتماعي التي تعتمد خوارزميات التمرير اللانهائي- إلى وجود تأثير مرتبط بحجم الاستخدام؛ حيث إن الاعتماد المفرط عليها قد يؤدي إلى تفعيل تحيزات معرفية معينة، واستنزاف كيمياء الدماغ، والتأثير سلبا على المزاج والصحة النفسية، بل وقد يتسبب في تراجع بعض المهارات العصبية (حركية، لغوية، اجتماعية، أو غيرها) ؛ وهذه ليست سوى أمثلة قليلة من المخاطر الموثقة، وفق دوبر.
مخاطر معالجة الدماغ للنواحي المعرفية
تقول الأخصائية النفسية الأسترالية في مقالها: يؤثر الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي على الدماغ وعملية التعلم من خلال تجاوز الجهد الذهني اللازم لبناء روابط عصبية عميقة، وهي عملية تعرف بـ "التفريغ المعرفي"؛ حيث يعزز استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل متكرر قبول المعلومات بشكل سلبي، مما يقلل الاحتكاك الذهني وطرح التساؤلات التي تعد المحرك الأساسي للفضول الحقيقي والقدرة على حل المشكلات.
ويعرف "التفريغ المعرفي" –بعيدا عن المقال- بـ"تقليل متطلبات المعالجة الذهنية لمهمة ما عبر الاستعانة بأدوات أو إجراءات خارجية مثل تدوين الملاحظات، أو حفظ الأرقام في الهاتف، أو استخدام محركات البحث والذكاء الاصطناعي".
تدهور المخزون المعرفي
وفي إشارة إلى خطورة الاعتماد بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي، تقول دوبر: يعتمد الدماغ على الجهد الذهني وتجاوز الإخفاقات لإعادة تشكيل مساراته العصبية وتقويتها؛ لذا فإن تجاوز هذا الاحتكاك يؤدي بمرور الوقت إلى تقليص مخزوننا المعرفي الكلي.

وبحسب المقال، فإن ميل الإنسان إلى تفضيل المعلومات التي تقدمها التكنولوجيا مثل "شات جي بي تي"، و"كلود"، أو منحها مصداقية أكبر وتجاهل المصادر التقليدية (كالكتاب الدراسي، على سبيل المثال) حتى وإن كانت هي الصحيحة، يجسد ما يعرف بـ "الانحياز للأتمتة". وهي حالة تجعلنا نراقب التكنولوجيا بقدر أقل من اليقظة أو الانتباه، نتيجة انخفاض توقعنا لحدوث أخطاء وثقتنا المفرطة في دقتها، وذلك على الرغم من علمنا بأن النماذج اللغوية الكبيرة كثيرا ما تقدم إجابات غير دقيقة.
إدمان منصات التواصل الاجتماعي
صممت منصات التواصل الاجتماعي –بحسب المقال- لتكون بمثابة "إدمان بالغ"؛ حيث يعتمد نموذج عملها على تعظيم وقت انتباه المستخدم، في حين يتخلى الأفراد عن خصوصيتهم لأن المكافآت النفسية الفورية تبدو لهم أكبر من المخاطر المترتبة على كشف بياناتهم.

وتقول دوبر: تتعمد الشركات صياغة سياسات الخصوصية لتكون طويلة ومربكة، ومكتوبة بلغة قانونية معقدة يستعصي فهمها على الغالبية العظمى من المستخدمين. ويصاب المستخدمون بما يُعرف بـ "إرهاق الموافقة"؛ فيكتفون بالضغط على خيار "قبول الكل" كلما ظهرت لهم تلك النافذة المزعجة أثناء التصفح، لشعورهم بأنه لا يوجد لديهم خيار حقيقي آخر.
كيف يمكن التعامل مع مخاطر اختراق الخصوصية؟
وفي السياق يبدو السؤال الأهم هو: كيف يمكن للمرء حماية خصوصيته في مواجهة تلك الحالة المعقدة؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ تجيب دوبر قائلة: كن أكثر انتقائية بشأن المعلومات التي تشاركها عبر الإنترنت. فكر في إيقاف خاصية تحديد الموقع الجغرافي ما لم تكن تستخدم تطبيقات الملاحة، وارفض ملفات تعريف الارتباط التي تتعقب نشاطك. بل يمكنك -إذا أردت حقا ممارسة نوع من "الفوضى الرقمية"- أن تعمل على "تسميم" بياناتك من خلال إدخال بيانات مضللة.
ولتجنب الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، عليك البدء –بحسب المقال- بإدخال عقبات متعمدة في روتينك اليومي؛ حيث يعد الذكاء الاصطناعي -من منظور نفسي- شديد الإدمان لأنه يقدم مكافآت فورية دون أي جهد ذهني؛ في حين أن أدمغتنا تحتاج إلى بذل جهد ذهني لتبقى في حالة يقظة وفعالية. ففي كل مرة تحاول فيها حل مشكلة ما، أو تقرأ كتابا بدلا من تصفح قسم التعليقات، فإنك بذلك تمنح عقلك تمرينا ذهنيا يقويه.
التخلص من التصفح المستمر عبر الهاتف
إذا كنت تجد صعوبة في ضبط استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي، فابدأ بتسجيل الخروج من حساباتك؛ إذ إن إلزام نفسك بإدخال بيانات الدخول يدويا في كل مرة يخلق حاجزا نفسيا قويا. كما ينصح بقصر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على أجهزة الحاسوب المكتبية أو المحمولة فقط؛ حيث تقضي إزالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي من هاتفك على الرغبة في استخدامها أثناء المشي، أو الاستلقاء في السرير، أو الانتظار في الطوابير، خصوصا أن التصفح المستمر عبر الهواتف أو التفاعل مع برامج الدردشة الآلية يعيق فترات "شرود الذهن" الضرورية التي يحتاجها العقل ليعمل بأفضل كفاءة ممكنة، وفق دوبر.
وتتابع: عندما تشعر برغبة في طرح سؤال على ذكاء اصطناعي أو تطلب منه كتابة شيء ما نيابة عنك، ألزم نفسك بالانتظار لمدة 30 دقيقة تقريبا. استغل هذا الوقت في طرح الأفكار، أو تصفح كتاب، أو ببساطة في التفكير مليا في المشكلة؛ فغالبا ما تتلاشى تلك الرغبة أو تجد حلا للمشكلة بنفسك. وبدلا من طلب توصية أو شرح من ذكاء اصطناعي، اسأل صديقا أو زميلا، أو ابحث في موقع إلكتروني موثوق. إن انتظار الرد من إنسان آخر ينمي الصبر، وهي مهارة نحتاج إلى ممارستها باستمرار للحفاظ عليها.
وتختتم دوبر نصائحها بالقول: خصّص ساعات محددة من يومك للقيام بأنشطة بعيدة تماما عن الشاشات مثل قراءة الكتب، أو الكتابة بالقلم والورق، أو المشي دون اصطحاب هاتفك. ولاحظ كيف يختلف شعورك بعد ستة أسابيع من الالتزام بهذا النهج. إن إضافة "عقبات" متعمدة إلى تجربتنا الرقمية -التي تتسم عادة بالسهولة المفرطة- أمر صعب، لكنني أعدك بأن عقلك سيشكرك على ذلك.




