وسط توقعات بخسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.. «ذا جارديان»: انقسام العالم إلى 3 أجزاء أخطر إرث قد يتركه ترامب
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، المقررة في 3 نوفمبر المقبل، يواجه الرئيس دونالد ترامب مرحلة سياسية محفوفة بالغموض، وسط توقعات بتراجع نفوذ الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، وبينما تتقلص قدرة الرؤساء عادة على تمرير أجنداتهم الداخلية مع اقتراب نهاية ولاياتهم، تظل السياسة الخارجية ساحة أوسع للتحرك وترسيخ الإرث السياسي، وهو ما يثير تساؤلات بشأن خيارات ترامب المقبلة، وانعكاساتها على شكل النظام العالمي ومستقبل التحالفات الدولية.
وفي السياق، تصف جريدة "ذا جارديان" البريطانية العامين الأولين من ولاية ترامب الحالية بأنهما "كانا كارثيين"، محذرة من أن العامين الأخيرين من حكمه قد يكونان "أسوأ من ذلك بكثير".
وتقول الجريدة: تستعد الولايات المتحدة لاحتمال استئناف المواجهة العسكرية مع إيران، رغم خسارة الحرب السابقة. وقد بدأت واشنطن بالفعل مناورات عسكرية مشتركة مع الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع اتخاذ خطوات لسحب دبلوماسيين أمريكيين من المنطقة، وفي المقابل، يتجه ترامب إلى تقليص التزاماته تجاه أوكرانيا، بما يثير تساؤلات بشأن أولويات إدارته الخارجية في المرحلة المقبلة.
عالم منقسم إلى ثلاثة أجزاء
وإلى جانب احتمالية اندلاع حرب متهورة في الشرق الأوسط وسياسة المهادنة في أوروبا، تلوح في الأفق -وفق "ذا جارديان"- ملامح نظام عالمي جديد سوف يسعى ترامب جاهدا لترسيخه خلال سنواته الأخيرة في السلطة. وفي هذا السياق، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقد قمة ثلاثية تجمعه بترامب والرئيس الصيني شي جين بينج، من المقرر إجراؤها في الصين الشهر المقبل.

وترى الجريدة، في تقرير كتبه المحرر الدولي السابق لجريدة "ذا أوبزرفر" البريطانية ستيف بلومفيلد، أنه "إذا عقد اجتماع كهذا -لو قدر له أن يحدث- قد تكون له عواقب وخيمة للغاية. فلدى القادة الثلاثة طموحات لتغيير طريقة إدارة العالم، تقوم في جوهرها على تقسيمه إلى مناطق نفوذ. ورغم أن قمة واحدة لن تحول هذه الفكرة إلى واقع ملموس، إلا أنها ستضع العالم على مسار بالغ الخطورة. ففي أوروبا، قد تتجاوز التداعيات حدود أوكرانيا إذا ما رفضت الولايات المتحدة المساعدة في حماية الدول المهددة من قبل روسيا. أما في شرق آسيا، فإن سحب المظلة الأمنية الأمريكية سيخلق مشكلات جسيمة لكل من تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، فضلا عن أستراليا.
طموحات ترامب ونهاية الغرب
يقول بلومفيلد: لقد دار حديث كثير في العامين الماضيين حول "نهاية الغرب"؛ ويبدو أننا نعيش الآن لحظة ستتبلور فيها الكثير من تلك المخاوف. لقد كان طموح إدارة ترامب -المتمثل في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ والانحياز إلى الديكتاتوريين على حساب الديمقراطيين- جليا منذ فترة طويلة. فقد تضمنت "استراتيجية الأمن القومي" التي صدرت العام الماضي انتقادات لاذعة لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وشرق آسيا.
لكن الأكثر صدمة –بحسب المحرر الدولي السابق لجريدة "ذا أوبزرفر"- كان ما أغفلت الوثيقة ذكره؛ حيث خلت من أي انتقاد مباشر لكل من روسيا والصين.
ففي ست فقرات تناولت استراتيجية الأمن القومي" التهديدات الموجهة ضد تايوان، ولم تذكر اسم الصين ولو لمرة واحدة. بل على العكس، وصفت الصين بأنها "دولة غنية وقوية.. تستغل ثروتها وقوتها لتحقيق مكاسب كبيرة". كما خلا القسم المتعلق بالحرب الروسية في أوكرانيا من الإشارة إلى كيفية اندلاعها، ولم يتضمن أي دعوة لهزيمة بوتين؛ بل ركز بدلا من ذلك على سبل مساعدة أوروبا وروسيا في إصلاح علاقاتهما.
وقد ناقشت الوثيقة -التي تقع في 33 صفحة- أهمية بسط الولايات المتحدة سيطرتها على نصف الكرة الغربي، موضحة في الوقت ذاته أنها -ما دامت تحتفظ بهيمنتها الاقتصادية- لا تكترث كثيرا بما إذا كانت بقية أجزاء العالم تحظى بالحماية أم لا. كما جادلت الوثيقة بأن حلفاء أمريكا ظلوا لفترة طويلة جدا يسحبونها إلى صراعات وخلافات تخدم مصالحهم الخاصة، وفق بلومفيلد.
ولا يقتصر الأمر على السيطرة على الأراضي فحسب؛ فالحكومات الثلاث –الولايات المتحدة وروسيا والصين- ترى إمكانية تعزيز الروابط الاقتصادية فيما بينها. وبالنسبة للدول الثلاث، تبرز قضايا أكثر أهمية تتعلق بالسيطرة المستقبلية على سلاسل التوريد الاقتصادية والمنصات التكنولوجية، بينما تلعب موارد الوقود الأحفوري الروسية دورا أيضا. كما تعد الدول الثلاث أطرافا فاعلة رئيسية في سباق الفضاء القادم، سواء من حيث السيطرة التجارية أو العسكرية.
تغيير طبيعة الجغرافيا السياسية
ويشدد الكاتب على أنه "إذا بدأت هذه الدول الثلاث في العمل معا -على حساب أوروبا وبقية العالم- فإن ذلك سيغير طبيعة الجغرافيا السياسية تغييرا جذريا، مضيفا: قبل عقد من الزمن، كان الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يتمحور حول فكرة أن الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي هي التكتلات الثلاث الأكثر قوة؛ لكن بروكسل استبدلت -بطريقة أو بأخرى- بموسكو. وتجدد النقاش حول كيفية حماية أوروبا لنفسها في غياب الولايات المتحدة، ولا يزال هناك شعور بأن الجميع ينتظرون انتهاء ولاية ترامب.

ويقول بلومفيلد: قد يحصل ترامب على لقطات تذكارية، وربما هذا كل ما يريده. لقد تسببت سياسة ترامب الخارجية في انقسام داخل حركته "اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا" (ماجا)، كما أثارت صدمة المحافظين التقليديين. حتى إن هيئة تحرير جريدة "وول ستريت جورنال" وصفت القمة المقترحة بأنها "ربما تكون أسوأ فكرة في الولاية الثانية لترامب". سيصل ترامب إلى مدينة شنجن الصينية، وهو في أضعف لحظات رئاسته؛ فهو زعيم يواجه "نهاية ولايته"، وسيكون بطة عرجاء.وسيكون عاجزا عن تمرير أي تشريعات، ويواجه عامين من الفوضى المحتملة بسبب التحقيقات في مزاعم فساده.
وفي المقابل، سيواجه ترامب زعيمين يريان –بحسب كاتب المقال- أن الموت هو العائق الوحيد الذي يحول دون استمرارهما في حكم بلديهما لعقدين آخرين. بل وربما يعتقدان -بالنظر إلى ما دار بينهما من حديث حول عقاقير إطالة العمر، والذي التقطته ميكروفونات كانت تعمل عن غير قصد في العام الماضي- أنهما قادران على البقاء في السلطة لفترة أطول من ذلك.
وينهي بلومفيلد مقاله قائلا: إذا عقدت هذه القمة، فإنها ستخرج بوتين من عزلته، وترسخ مكانة شي كزعيم عالمي لا يمكن تجاهله. وسيصبح مشهد القادة الثلاثة معا رمزا لمرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين.




