رئيس التحرير
عصام كامل

حروب الظل الروسية تحاصر أوروبا والناتو.. "ذا ناشيونال إنترست": بوتين يختبر خطوط الغرب الحمراء بالهجمات السيبرانية والمسيرات.. والعالم مهدد بحروب كارثية

الشرطة الألمانية
الشرطة الألمانية أمام طائرة شحن استهدفتها مسيرة روسية
18 حجم الخط

هجمات بطائرات مسيرة على خطوط السكك الحديدية في غرب أوكرانيا، كادت أن تصيب مسؤولين رفيعي المستوى سابقين، من بينهم رئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلدت ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون.. وإسقاط طائرة مسيرة مسلحة بواسطة طائرات الناتو فوق ليتوانيا.. وانفجارات غامضة في مصنع دفاعي إيطالي.. وهجوم حريق متعمد على شركة مقاولات إستونية.. وحريق مشبوه في منشأة لمكونات الصواريخ في بولندا.. وتخريب متعمد استهدف شبكات الكهرباء ذات الجهد العالي في جميع أنحاء ألمانيا، إلى جانب حوادث كادت أن تقع في مركز شحن جوي رئيسي في مطار ألماني.

قد تبدو هذه الأحداث الأخيرة مجرد سلسلة من الاضطرابات العشوائية البسيطة، لكنها في الواقع عناصر منسقة ضمن حملة روسية ممنهجة لزعزعة استقرار أوروبا، في مؤشر على أن روسيا تشن ما يعرف بـ"حروب الظل" ضد الغرب، وفق تحليل نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية.

 

ثلاث حقائق بالغة الأهمية

ويشير التقرير، الذي أعدته الرئيسة والمديرة التنفيذية لمركز تحليل السياسات الأوروبية ألينا بولياكوفا، ونائب الرئيس في المركز كريستوفر ووكر، إلى أن "الكرملين يدرك أنه لا يستطيع كسب صراع تقليدي مع الغرب، ولذلك، يعتمد بشكل متزايد على حرب الظل من خلال حملة منسقة لشبكات وكلاء خارجية منخفضة التكلفة، تتراوح بين عصابات إجرامية محلية ومجندين متطرفين، مما يمنح موسكو نفوذا ومرونة لإخفاء التدخل المباشر للدولة، ومن خلال تسليح البنية التحتية المادية والكابلات البحرية والشبكات الرقمية في آن واحد، تجبر روسيا ديمقراطيات أوروبا على حالة دائمة من التوسع الدفاعي المفرط".

زورق فرنسي قرب ناقلة النفط
زورق فرنسي قرب ناقلة النفط "دينا" التي تقول باريس إنها ضمن "أسطول الظل" الروسي

ويقول الكاتبان: لمواجهة هذا التهديد، يجب على القادة الغربيين أن يدركوا ثلاث حقائق بالغة الأهمية. أولها أن العمليات السرية الروسية تقوم عمدا باستكشاف الثغرات القانونية والجغرافية والسياسية في جميع أنحاء حلفاء الناتو، بهدف إحداث أقصى قدر من الاضطراب دون تجاوز العتبات الصريحة التي من شأنها أن تثير ردا عسكريا أوروبا. 

شبكات الطاقة عبر الأطلسي

وتتمثل الحقيقة الثانية - بحسب التقرير- في أن "موسكو تمزج بين التخريب المادي، واختراقات الطائرات المسيرة، والوكلاء المحليين المأجورين، مع حملات التضليل عالية التقنية والمدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والمصممة لتقويض الدعم الشعبي لأوكرانيا، وشل صانعي القرار الأوروبيين، وزرع الانقسام بين الحلفاء الغربيين".

وعلى الصعيد الأمريكية، يؤكد الكاتبان ضرورة أن يدرك الغرب أن "الرد على روسيا يعد مصلحة حيوية للولايات المتحدة. فالأمن الأمريكي يعتمد على شبكات الطاقة عبر الأطلسي، وكابلات الاتصالات البحرية، وسلاسل الإمداد، والمراكز العسكرية الأوروبية التي تستهدفها روسيا. كما أن السماح لموسكو بتطبيع الهجمات المعادية على الأراضي الأوروبية يضعف الردع العالمي، ويعرض الولايات المتحدة لخطر الدخول في صراع أكبر بكثير وخارج عن السيطرة في المستقبل".

وقف إمدادات الغاز الروسية إلى القارة الأوروبية إثر حرب أوكرانيا
وقف إمدادات الغاز الروسية إلى القارة الأوروبية إثر حرب أوكرانيا

تعتمد المجتمعات المنفتحة بطبيعتها على معايير قانونية صارمة، وأدلة قضائية دامغة، وتوافق في الآراء. وهذه آليات مصممة لتحقيق الاستقرار في زمن السلم. ولكن عند مواجهة شبكات سرية، وأساطيل خفية، وقوى وكيلة مدعومة من دول، فإن انتظار أدلة دامغة في قاعات المحاكم –بحسب التقرير- يفقد المعايير القانونية قوتها، ما يتطلب استجابات أسرع مدعومة بالمعلومات الاستخباراتية الدقيقة.

ويقول الباحثان: علاوة على ذلك، أدى خوف الغرب من تصعيد الصراع إلى خلق موقف خطير من ضبط النفس، مما قلل من المخاطر التي تتصورها موسكو، وجعلها تؤمن بأن العمليات السرية لا تنطوي على عواقب وخيمة، ما يستوجب التدخل لمنع اندلاع حروب كارثية غدا.

عقبات روتنية تعرقل ردع روسيا

ويؤكد التقرير على تطور أوروبي في التعامل مع الاستراتيجيات الروسية، من خلال تكثيف الدوريات البحرية والجوية المشتركة فوق البنية التحتية في بحر البلطيق، وغطلاق مراكز عمليات متعددة الوكالات لمكافحة التهديدات، والتعامل بحسم مع حادثة اعتراض طائرة روسية مسيرة لطائرة إف-18 تابعة لحلف الناتو فوق المجال الجوي الروماني، وهو رابع اختراق من نوعه هذا العام.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور معرض
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور معرض "إنجازات روسيا” قبل مؤتمر حزب "روسيا الموحدة" في موسكو

لكن الكاتبان يؤكدان في الوقت ذاته وجود معوقات بيروقراطية تعيق الردع الحقيقي؛ حيث تصنف أجهزة إنفاذ القانون المحلية "التخريب الذي ترعاه الدولة -خطأ -على أنه مجرد حريق متعمد، وقطع كابلات الاتصالات على أنه حوادث بحرية، والهجمات الإلكترونية على أنها أعطال فنية روتينية".

يؤكد التقرير الذي نشره "ذا ناشيونال إنترست" أن كسر هذه الحلقة الخطيرة يحتاج إلى ثلاثة تحولات استراتيجية حاسمة، أولها –وأهمها- الرد بصورة جماعية، وليس فردية، وإنشاء إطار استجابة جماعي يقوم بتفعيل التدابير الدبلوماسية والاقتصادية المضادة تلقائيا في جميع أوروبا عند التهرض لخطر روسي.

خطوط أوروبية حمراء

ويشدد الباحثان على ضرورة أن "يضع الناتو خطوطا حمراء واضحة مصحوبة بردود فعل غير متوقعة لمنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المضي في استراتيجية حروب الظل، واستخدام القدرات السيبرانية الهجومية، والاستيلاء المالي المكثف على أصول الأسطول الروسي غير المعلن، وتفعيل عمليات الحظر البحري لإبقاء موسكو في حالة عدم استقرار".

ويتمثل التحول الثالث لكسر استرايجية "حروب الظل" الروسية –وفق "ذا ناشيونال إنترست"- في أن تربط موسكو بين عدوانها السري وبين تعرضها لخسائر فورية وملموسة في أصولها الاستراتيجية

ويخلص الكاتبان إلى أن "الدفاع السلبي والتردد الدائم يؤديان إلى مزيد من العدوان، ما يستوجب وجود رد حاسم من الناتو تجاه السياسيات الروسية، وفرض تكاليف واضحة على كافة أطياف الصراع قبل أن تتحول الحرب الخفية إلى أزمة أوسع نطاقا".

الجريدة الرسمية