فيلم "ليل وقضبان".. أشرف فهمي يكشف الوجه القاسي للسجن وصراعات النفس البشرية
ليل وقضبان، فيلم بديع للمخرج أشرف فهمي، من إنتاج عام 1973، ويُعد من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية. وهو آخر إنتاج للقطاع العام السينمائي، ومن أوائل أعمال أشرف فهمي، وقد احتل المرتبة 43 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
وتدور أحداث الفيلم في أربعينيات القرن الماضي داخل أحد السجون، حيث جرى تصويره في سجن أبي زعبل. ويُعد أحد أكثر الأفلام المصرية جرأة في تناول الصراع النفسي والإنساني داخل عالم مغلق تحكمه القوة والخوف والرغبة.
النص الروائي الذي اقتُبس عنه فيلم «ليل وقضبان» أقل أهمية وتماسكًا من نصوص أخرى اقتُبست عنها أفلام تلك الفترة. وقد رأى نقاد أن نص نجيب الكيلاني ضعيف، لكن كاتب السيناريو مصطفى محرم استطاع تحويله إلى فيلم جيد، ليصبح بعدها من كلاسيكيات السينما المصرية، وأحد أفضل أعمال المخرج أشرف فهمي.
دراسة سينمائية في النفس البشرية
فيلم «ليل وقضبان» ليس مجرد فيلم رومانسي أو درامي، بل هو دراسة سينمائية في النفس البشرية، قدمها صناع الفيلم بلغة بصرية متميزة وأداء تمثيلي رائع، من خلال بطولة محمود مرسي، الذي أدى شخصية مأمور السجن توفيق عبد الهادي، ومحمود ياسين، الذي تحل ذكرى رحيله اليوم، إذ رحل عام 2020، وسميرة أحمد، وتوفيق الدقن، ومجدي وهبة، وعلي الشريف، وغيرهم.

سجّان قاسٍ يفرض سيطرته على عالم كبير، يتحكم فيه سواء داخل السجن أو في بيته، لكن الأمور تشتعل حين تنشأ علاقة بين زوجته وأحد المساجين الذين سُجنوا ظلمًا، وهو أحمد، الذي يؤدي دوره محمود ياسين، طالب الهندسة الذي دخل السجن ظلمًا.
يبدأ الفيلم بمشهد للكلاب وهي تقتل أحد المساجين، وينتهي بالمشهد نفسه، في إسقاط سياسي واضح على معتقلات فترة الستينيات. واعتمد المخرج أشرف فهمي في تصويره على المساحات الضيقة والممرات والأسوار والزوايا الحادة، ليشعر المشاهد بأنه داخل السجن، حتى في المشاهد التي تدور خارج الزنازين.
نهاية مؤسفة لبطل الفيلم
يحكي فيلم «ليل وقضبان» قصة تجمع فيها الأقدار بين زوجة المأمور والسجين أحمد، الذي يؤدي دوره محمود ياسين. تبدأ الأحداث عندما تنقطع الكهرباء أثناء سفر المأمور إلى القاهرة، فتطلب زوجته من إدارة السجن إرسال شخص لإصلاحها، فيُرسل أحمد للقيام بالمهمة.
وتدور بينهما أحاديث قصيرة، تسأله خلالها عن عدد السنوات التي قضاها في السجن، فيجيب بأنه أمضى خمس سنوات، بينما تخبره بأنها قضت عشر سنوات في هذا المكان.
ومع مرور الوقت، تشعر الزوجة برغبة في رؤية السجين أحمد مرة أخرى، فتتعمد قطع الكهرباء حتى يأتي لإصلاحها مرة تلو الأخرى، إلى أن يراهما السجان، الذي يؤدي دوره علي الشريف، والمكلّف بمرافقة السجين، فيخبر الصول شلقاني بما شاهده.
وهنا تصبح الفرصة سانحة أمام الصول للانتقام من توفيق بيه، الذي حصل على ترقية وأصبح لواءً وباشا. فيخبره بطريقة خاصة جدًا أن زوجته تخونه، فيراقبها توفيق ويتأكد من الأمر، ثم يضع شلقاني خطة للتخلص من السجين عن طريق الادعاء بأنه هرب، فيطلق توفيق الكلاب لتنهي حياته.
الأبيض والأسود في زمن الألوان
تعليقًا على فيلم «ليل وقضبان»، كتب الناقد الراحل عبد الفتاح البارودي أن استخدام الأبيض والأسود والإضاءة والظلام للتعبير عن مشاعر الأبطال جاء في قمة الروعة. كما أشار إلى استخدام المرآة في بيت المأمور أثناء حديث الزوجة، بما يجعلها تبدو وكأنها محاصرة داخل حيز ضيق جدًا.
وظهر محمود مرسي في جميع المشاهد مرتديًا بدلة مأمور السجن، حتى وهو في بيته، في دلالة على أنه سجّان داخل المنزل أيضًا، الذي تحيط به العساكر والدوريات من الداخل والخارج.

عن الفيلم، قال الناقد طارق الشناوي إن «ليل وقضبان» يُعد فيلمًا استثنائيًا، إذ التقى فيه محمود ياسين مع النجمة الخامسة في العنقود الذهبي للسينما في الخمسينيات، وكان الفيلم الرابع لأشرف فهمي. كما جمع ياسين بمحمود مرسي للمرة الثانية بعد فيلم «شيء من الخوف»، لكن ياسين كان هذه المرة هو البطل أمامه، فيما أدت سميرة أحمد دور زوجة السجان.
وأضاف الشناوي أن العلاقة تبدأ خافتة وعلى استحياء، قبل أن تزداد سخونتها مع تتابع الأحداث، ليقفز محمود ياسين، كعادته، بهذا الفيلم درجات أخرى في مسيرته كنجم ممثل يعرف جيدًا كيف يعبّر بأستاذية عن مشاعره التي يزداد معدلها الانفعالي لحظة بعد أخرى.

وعندما سُئل أشرف فهمي عن تغير نوعية أفلامه، من أعمال ذات طابع سياسي مثل «ليل وقضبان» إلى أفلام أخرى مثل «امرأة فوق القمة» و«ضربة جزاء» و«القتل اللذيذ»، قال: «بمنتهى الصراحة، وبعد طول صبر، تعودت أن أترك الكتابات النقدية خلف ظهري بحلوها ومرها، وألا أتوقف إلا عند ما يفيدني ويدعم رؤيتي كمخرج، ذلك لأن بعض النقاد، وللأسف، هم أصحاب الصوت العالي، يتحمسون لأفكار سياسية معينة، ويتناسون أن للفن نظرته الشمولية، وأنه أعمق من المستوى السياسي الذي يظل جزءًا من العمل، لا العمل كله».
