رئيس التحرير
عصام كامل

كيف تكسب مصر سباق العقول؟ دروس من التجربة الصينية

18 حجم الخط

قبل نحو ثلاث سنوات، شاركت ضمن مجموعة من الإعلاميين والباحثين من دول مختلفة في زيارة مجمع هواوي للأبحاث والتطوير بمقاطعة قوانغدونغ الصينية، وهناك لفت انتباهنا ما توفره بيئة العمل من تجهيزات تقنية متقدمة ومساحات مخصصة للبحث والتطوير، بما يتيح للباحثين اختبار أفكارهم وتجربة الحلول وتطويرها، ولم يكن اللافت هو توفر الأجهزة والمعامل وحدها، بل أيضًا المناخ الذي يجمع بين التخصصات وتبادل الخبرات وربط البحث العلمي بالتطبيق العملي.

واليوم مع عودتي إلى الصين أستاذًا زائرًا بجامعة شمال الصين للتكنولوجيا، أجدني أقرأ تلك التجربة من زاوية أوسع؛ فالمنافسة بين الدول لم تعد تستند إلى امتلاك التكنولوجيا فحسب، وإنما على امتلاك العقول القادرة على تطويرها، وتوفير البيئة التي تساعدها على الإبداع وتحويل المعرفة إلى إنجازات اقتصادية وتنموية. ومن هنا، يبرز سؤال مهم: كيف تكسب مصر سباق العقول، وتستفيد من كفاءاتها العلمية في الداخل والخارج؟

وتنبع أهمية هذا التساؤل من تحول اجتذاب الكفاءات العلمية إلى مجال للمنافسة بين الدول في الوقت الراهن، وهو ما كشف عنه تقرير مهم أتيحت لي فرصة الإطلاع عليه في نهاية سبتمبر الماضي، نشرته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، بعنوان «من المتقدم في سباق المواهب العالمية في الذكاء الاصطناعي؟»، أعدّه الباحثان داميان ما وبيني يانج. 

وقد استوقفني ما يطرحه التقرير من قراءة رقمية للمنافسة بين الدول على الكفاءات العلمية، وأشار التقرير إلى أن السباق لا يتعلق فقط بمن يمتلك التكنولوجيا، بل أيضًا بمن يُعِدّ العقول القادرة على تطويرها، وبالدول التي تنجح في استقطاب هذه الكفاءات وتوفير الفرص التي تشجعها على مواصلة البحث والإبداع.

ولرصد هذه التحولات، اعتمد التقرير على دراسة المسارات التعليمية والمهنية لعينة من الباحثين الذين نشروا أبحاثهم في مؤتمر أنظمة معالجة المعلومات العصبية (NeurIPS)، وهو من أبرز المؤتمرات العلمية الدولية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وأشار التقرير إلى أنه من بين 25,677 مؤلفًا لأبحاث قُبلت في مؤتمر عام 2025، أمكن تتبع المسارات الكاملة لنحو 10,280 باحثًا، أي قرابة 40% من المؤلفين.

وأظهرت النتائج أن 57% من العينة حصلوا على شهاداتهم الجامعية الأولى من مؤسسات صينية، مقابل 13% من مؤسسات أمريكية. وعلى مستوى مكان العمل، كان 41% من الباحثين يعملون في الصين، مقابل 34% في الولايات المتحدة. وقدّر التقرير صافي تدفق الباحثين لمصلحة الولايات المتحدة بنحو 2,145 باحثًا، مقابل صافي خروج من الصين بلغ 1,729 باحثًا، وفق مقارنة بلد الدراسة الجامعية الأولى بمكان العمل الحالي، وليس تتبعًا مباشرًا لانتقال كل باحث على حدة.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الباحثين ذوي الخلفية التعليمية الصينية الذين يعملون داخل الصين من 57% عام 2022 إلى 69% عام 2025. وتكشف هذه النتائج عن صورة مركبة؛ فالصين أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمواهب العلمية ومركزًا مهمًا للعمل في الذكاء الاصطناعي، بينما تواصل الولايات المتحدة جذب الباحثين من خلفيات مختلفة. ويربط التقرير هذه التحولات بعوامل محتملة، من بينها اتساع فرص العمل في صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية، وصعوبة انتقال بعض الباحثين إلى الولايات المتحدة في ظل قيود التأشيرات.

وتؤكد هذه المقارنة أن إعداد الكفاءات لا يكفي وحده لضمان الاستفادة منها؛ إذ تحتاج الدول إلى منظومة متكاملة تجمع بين التعليم الجيد، والتمويل المستقر، ومراكز البحث المتقدمة، وفرص العمل، والارتباط بين الجامعات واحتياجات الصناعة. 

وقد جسدت زيارتي لمجمع هواوي جانبًا من هذه المعادلة، حيث تتكامل الإمكانات التقنية مع بيئة تسمح للباحثين بالعمل الجماعي واختبار الأفكار وتطويرها، وهي تجربة تؤكد أن الاستثمار في العقول لا يعني تمويل الأبحاث فقط، بل تهيئة الظروف التي تمكّن أصحابها من الوصول إلى نتائج ملموسة.

وفي خطوة تعكس أهمية الاستثمار الصيني طويل الأجل في العلماء الشباب، كشفت تقارير صحفية صينية في سبتمبر الماضي عن اختيار 44 باحثًا متميزًا دون سن الخامسة والثلاثين ضمن مسار لدعم المواهب الشابة، بينهم تسعة من خارج الصين. ويمتد الدعم 15 عامًا، على ثلاث مراحل مدة كل منها خمس سنوات، مع مضاعفة التمويل بعد المرحلتين الأولى والثانية. وتقوم الفكرة على منح الباحثين مساحة زمنية واستقرارًا يسمحان لهم بالتركيز على البحث العلمي، بدل إخضاعهم لضغوط التقييم قصير الأجل وحدها.

وهذه تجربة تستحق الدراسة أيضًا في ضوء احتياجات مصر وإمكاناتها، فنحن لدينا جامعات ومراكز بحثية وكفاءات علمية متميزة في الداخل والخارج، لكن التحدي يتمثل في ربط هذه الإمكانات بمنظومة إنتاج وابتكار تحقق عائدًا ملموسًا. ويتطلب ذلك تطوير البنية البحثية، وتوفير منح تنافسية، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، وتوجيه الأبحاث إلى احتياجات الصناعة والصحة والزراعة والطاقة والتحول الرقمي.

كما نحتاج إلى آليات مؤسسية للتواصل مع العلماء المصريين بالخارج، تتجاوز الزيارات والندوات إلى مشروعات مشتركة، وتدريب الباحثين الشباب، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، وتشجيع إقامة شركات ناشئة قائمة على المعرفة. فنجاح هذه الجهود لا يقاس بعدد اللقاءات، بل بما تنتجه من حلول وفرص عمل ومنتجات وخدمات.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة مع اقتراب انعقاد منتدى مصر 2026، خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر بالعاصمة الإدارية الجديدة، بمشاركة واسعة من الخبراء وصناع القرار والمواطنين. وتتضمن أجندته جلسة بعنوان «ماذا يتعلم أبناؤنا، وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟»، بما يفتح المجال لمناقشة جودة التعليم، والمهارات المطلوبة في سوق العمل، وربط التعليم الجامعي والبحث والابتكار باحتياجات الاقتصاد.

فجذب الاستثمارات وبناء اقتصاد قادر على المنافسة لا يتوقفان على التمويل والتكنولوجيا وحدهما، بل يرتبطان أيضًا بقدرة الدولة على إعداد الكفاءات التي تحتاج إليها المشروعات الجديدة. ومن ثم، فإن تطوير التعليم والبحث العلمي ينبغي ألا يقتصر على زيادة أعداد الخريجين، بل يجب أن يركز على تأهيل الشباب بالمعرفة والمهارات التي تمكّنهم من الإنتاج والإبداع والمنافسة، وتحويل أفكارهم إلى مشروعات وابتكارات.

وتقودنا مناقشة هذه الجوانب إلى قضية هجرة العقول، لا باعتبارها مجرد انتقال للعلماء من بلد إلى آخر، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة الدولة على توفير فرص البحث والتطور المهني. فالسفر ليس خسارة في حد ذاته؛ إذ قد يكتسب الباحث خبرات جديدة، ثم يعود بها إلى وطنه، أو يسهم في مشروعات مصرية من الخارج. أما الخسارة الحقيقية فتحدث عندما تنقطع الصلة بين الكفاءة المصرية وبلدها، ولا تجد خبرتها طريقًا للمشاركة في التنمية.

ومن هنا، ينبغي أن يقودنا الحوار إلى أسئلة عملية: كيف نوفر فرصًا بحثية حقيقية للشباب؟ وكيف نربط الجامعات بالصناعة؟ وكيف نستفيد من خبرات علمائنا بالخارج؟ وكيف نقيس أثر السياسات التي نتبناها في زيادة الإنتاج العلمي وتحويله إلى فرص عمل ومنتجات وخدمات؟ فالمعيار الحقيقي للنجاح هو الانتقال من تشخيص المشكلة إلى برامج قابلة للتنفيذ ونتائج يشعر بأثرها الباحث والمواطن.

إن الأوطان لا تحتفظ بعقول أبنائها بمجرد دعوتهم إلى البقاء، وإنما ببناء بيئة تمنحهم فرصًا حقيقية للإبداع والتقدم، وتتيح لهم تحويل المعرفة إلى إنجاز. والتحدي أمام مصر ليس منع كفاءاتها من السفر، بل أن تظل قادرة على استقطابها وتشجيعها على العودة، وفتح المجال أمامها للمشاركة في التنمية من الداخل أو الخارج، وهو ما يُعد أحد الدروس المهمة المستفادة من التجربة الصينية في التعامل مع الكفاءات العلمية.

Sallamahmed2@gmail.com

الجريدة الرسمية