سبعون عامًا من الصداقة المصرية الصينية
من التخطيط إلى الإنجاز.. كيف صنعت الصين تجربتها التنموية؟
تحتفل مصر والصين هذا العام بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي مناسبة لا تقتصر فحسب على استحضار تاريخ طويل من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، وإنما تمثل أيضًا فرصة للتأمل في تجارب التنمية التي خاضها البلدان، واستكشاف مجالات جديدة لتبادل الخبرات والمعارف في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.
وقد اكتسبت العلاقات المصرية الصينية خصوصية فريدة منذ انطلاقتها عام 1956، عندما كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تُقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لتتطور هذه العلاقة عبر العقود إلى شراكة استراتيجية شاملة، تشمل الاقتصاد والاستثمار والبنية الأساسية والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة، فضلًا عن التنسيق في العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تبدو دراسة التجربة التنموية الصينية أحد المجالات المهمة للتعاون وتبادل الخبرات بين البلدين، خاصة وأن مصر والصين تنتميان إلى الدول النامية، ولكل منهما تجربته الوطنية في مواجهة تحديات التنمية وبناء الدولة الحديثة.
ولا يعني الاهتمام بالتجربة الصينية البحث عن نموذج جاهز للتطبيق أو المقارنة بين تجارب الدول، فلكل دولة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأولوياتها التنموية، وإنما يأتي ذلك في إطار الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، وهو النهج الذي أصبح أحد أهم أدوات التعاون بين الدول في عالم سريع التغير.
ومن بين أهم ملامح التجربة الصينية، يبرز التخطيط الاستراتيجي طويل المدى باعتباره أحد الركائز الأساسية لمسيرة التنمية، حيث اعتمدت الصين على نظام الخطط الخمسية منذ عام 1953، وأطلقت حتى الآن خمس عشرة خطة متتالية، لتصبح كل خطة حلقة في مشروع تنموي ممتد، وليس برنامجًا منفصلًا عن سابقه.
وتكتسب هذه التجربة أهمية إضافية في الوقت الراهن مع بدء تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، التي تمثل مرحلة جديدة في مسيرة التنمية الصينية، وتعكس استمرار فلسفة التخطيط بعيد المدى التي اعتمدتها الصين على مدار أكثر من سبعة عقود، كما تفتح آفاقًا جديدة للتعاون وتبادل الخبرات مع الدول الصديقة، ومنها مصر.
غير أن نجاح التجربة الصينية لم يكن نتاج وجود خطط خمسية فحسب، وإنما ارتبط أيضًا بوجود منظومة مؤسسية متكاملة تتولى وضع الخطط وتنفيذها ومتابعة نتائجها بصورة مستمرة؛ إذ تقوم عملية التخطيط في الصين على تكامل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة..
حيث توضع التوجهات الاستراتيجية العامة، بينما تضطلع اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، التابعة لمجلس الدولة الصيني، بالدور الفني الرئيسي في إعداد خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنسيق بين الوزارات والأقاليم المختلفة..
مع مشاركة الحكومات المحلية والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات المتخصصة في إعداد المقترحات والدراسات، بما يحقق التوازن بين الأهداف الوطنية والاحتياجات المحلية.
ولا تقف عملية التخطيط عند مرحلة إعداد الوثائق، بل تمتد إلى وضع مؤشرات للأداء، وآليات للمتابعة والتقييم الدوري، بما يسمح بقياس معدلات الإنجاز وإجراء المراجعات اللازمة للتعامل مع التحديات والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
وقد ساهم هذا النهج في تحقيق نتائج لافتة على مدار العقود الماضية، حيث نجحت الصين، وفق تقديرات البنك الدولي، في انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر، كما أصبحت أكبر دولة صناعية في العالم، وأكبر دولة تجارية في السلع، وتمتلك أكبر شبكة للسكك الحديدية فائقة السرعة تجاوز طولها 48 ألف كيلومتر..
فضلًا عن تحقيق تقدم كبير في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية. كما تجاوز الإنفاق الصيني على البحث والتطوير 3.6 تريليون يوان، في مؤشر واضح على التحول من نموذج يعتمد على العمالة منخفضة التكلفة إلى اقتصاد قائم على الابتكار والتكنولوجيا والمعرفة.
وربما تكمن إحدى أهم نقاط القوة في التجربة الصينية في أن كل خطة خمسية لم تكن تهدف فقط إلى تحقيق معدلات نمو اقتصادي، وإنما إلى معالجة تحديات محددة تفرضها كل مرحلة، سواء تعلق الأمر بالتصنيع، أو تطوير البنية الأساسية، أو مكافحة الفقر، أو حماية البيئة، أو تعزيز الابتكار، أو تحقيق التنمية عالية الجودة.
وبالنسبة للدول النامية، فإن أحد أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة يتمثل في أهمية التخطيط طويل المدى، وتحقيق التكامل بين مؤسسات الدولة، وربط الرؤية الاستراتيجية ببرامج تنفيذية واضحة، مع وجود جداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمتابعة.
وفي هذا الإطار، تمتلك مصر تجربة مهمة في مجال التخطيط التنموي، وتواصل تطوير منظومتها المؤسسية في إطار رؤية "مصر 2030"، التي تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بصورة متوازنة ومستدامة، من خلال الاستثمار في الإنسان والبنية الأساسية والتحول الرقمي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
ومن ثم، فإن دراسة التجربة الصينية لا تهدف إلى المقارنة بين التجربتين، وإنما إلى التعرف على بعض الممارسات المؤسسية التي أثبتت نجاحها، والاستفادة من الخبرات الدولية بما يتوافق مع الظروف الوطنية والأولويات التنموية لكل دولة.
ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الصينية هو أن التنمية ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروع دولة طويل الأجل، يحتاج إلى رؤية واضحة، وتخطيط علمي، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وأطر زمنية محددة، وآليات للمتابعة والتقييم، مع القدرة على التكيف المستمر مع المتغيرات المحلية والدولية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يكفي وضع الخطط لتحقيق التنمية؟، أم أن نجاحها يرتبط بوجود إدارة كفؤة، ومؤسسات قوية، ومنظومة حوكمة تضمن حسن التنفيذ، وتعزز النزاهة، وتحافظ على كفاءة استخدام الموارد؟
هذا ما سنقرأه في الجزء الثاني من المقال، بالحديث عن الحوكمة ومكافحة الفساد والانضباط المؤسسي باعتبارها أحد الأبعاد المهمة في التجربة التنموية الصينية، وما يمكن أن تقدمه من دروس مستفادة للدول النامية في إطار احترام خصوصية كل تجربة وطنية.
