من حسن رجب وتشن جيا كانغ.. إلى سفراء الحاضر
سبعون عامًا من الدبلوماسية المصرية الصينية
تُعد الدبلوماسية المصرية واحدة من أعرق المدارس الدبلوماسية في العالمين العربي والإفريقي، إذ ارتبط تاريخها الطويل بتاريخ الدولة المصرية نفسها، بما تحمله من عمق حضاري وثقل سياسي وموقع إستراتيجي جعل من مصر دائمًا حلقة وصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
فمنذ العصور القديمة، عرفت مصر فنون التفاوض وإبرام المعاهدات وإدارة العلاقات الدولية، وهو ما تجسد في معاهدة السلام التي أبرمها الفرعون رمسيس الثاني مع الحيثيين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، والتي تُعد من أقدم معاهدات السلام المكتوبة المعروفة في التاريخ الإنساني.
وفي العصر الحديث، رسخت الدبلوماسية المصرية مكانتها باعتبارها صوتًا للحكمة والاعتدال والتوازن، ولعبت أدوارًا بارزة في دعم حركات التحرر الوطني وتعزيز التضامن العربي والإفريقي، فضلًا عن مساهمتها في تأسيس حركة عدم الانحياز والدفاع عن قضايا السلام والتنمية والاستقرار.
ومن أبرز المحطات المضيئة في تاريخ الدبلوماسية المصرية، القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر باعتراف مصر بـجمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الصين الجديدة، في خطوة عكست استقلالية القرار الوطني المصري ورؤية القاهرة المبكرة لأهمية الصين على الساحة الدولية.
وفي أعقاب هذا القرار التاريخي، بدأت مرحلة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث تم تعيين الدكتور حسن رجب كأول سفير لمصر في بكين، بينما أصبح السفير الصيني تشن جيا كانغ أول سفير لـجمهورية الصين الشعبية لدى القاهرة عام 1956.
وقد نجح السفيران، ومعهما جيل الرواد من الدبلوماسيين المصريين والصينيين، في وضع الأساس لعلاقة تجاوزت حدود السياسة التقليدية لتصبح نموذجًا للتعاون الحضاري والإنساني بين دولتين من أقدم حضارات العالم.
ولم تقتصر جهود هؤلاء الرواد على التمثيل السياسي والدبلوماسي، بل امتدت إلى تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي والإعلامي بين الشعبين، فقد كان الدكتور حسن رجب من أبرز الداعمين للدراسات العربية وتعليم اللغة العربية في الصين، وأسهم بصورة كبيرة في تعريف المجتمع الصيني بالحضارة والثقافة المصرية.
وفي قلب هذه المسيرة التاريخية الممتدة، يبرز الدور الكبير الذي قام به أجيال من السفراء والدبلوماسيين المصريين الذين حملوا مسؤولية تعزيز العلاقات مع الصين عبر مختلف المراحل التاريخية..
ومن بين هذه القامات الدبلوماسية البارزة السفير حلمي بدير، والدكتور محمد نعمان جلال، والسفير علي الحفني، والسفير محمود علام، والسفير أحمد رزق، والسفير أسامة المجدوب، والسفير محمد البدري، والسفير مجدي عامر، والسفير عاصم حنفي، والسفير خالد نظمي، وغيرهم من رموز الدبلوماسية المصرية الذين ساهموا في ترسيخ مكانة مصر داخل المجتمع الصيني وتعزيز جسور التفاهم بين الشعبين.
وعلي الجانب الاخر شهدت العلاقات المصرية الصينية عبر العقود المتعاقبة حضور عدد من كبار الدبلوماسيين الصينيين الذين تركوا بصمات واضحة في مسار التعاون الثنائي، ومن بينهم السفير هوانغ هوا الذي أصبح لاحقًا وزيرًا لخارجية الصين ثم نائبًا لرئيس مجلس الدولة، والسفير ووو سي كه الذي تولى منصب المبعوث الصيني الخاص لقضية الشرق الأوسط، إضافة إلى السفير ليو شياو مينغ والسفير سونغ آي قوه وغيرهم من الشخصيات التي أسهمت في تعميق الحضور الصيني داخل العالم العربي انطلاقًا من القاهرة.
وفي القاهرة، يضطلع السفير الصيني النشيط لياو ليتشيانغ ومندوب الصين لدي جامعة الدول العربية، وله دور بارز في دعم مسارات التعاون الثنائي، سواء في المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو التنموية، ويؤكد دائما أن العلاقات المصرية الصينية تمر بأفضل مراحلها التاريخية في ظل القيادة الحالية للبلدين، وفي بكين يواصل السفير خالد نظمي سفير مصر الحالي جهوده لتعزيز التعاون السياسي والثقافي والإعلامي بين البلدين، في مرحلة تشهد تطورًا متسارعًا في الشراكة الإستراتيجية المصرية الصينية.
لقد مثّل هؤلاء الرواد الوجه الحضاري لمصر في الصين خلال مراحل دولية شديدة التعقيد، وعملوا في ظروف لم تكن سهلة، سواء بسبب محدودية وسائل الاتصال والتنقل في العقود الأولى للعلاقات أو نتيجة التحولات السياسية الدولية المتسارعة.
ومع ذلك، استطاعوا بحكمة واقتدار أن يؤسسوا لقنوات راسخة من الثقة والتعاون، وأن يمهدوا الطريق أمام التبادل الثقافي والتعليمي والإعلامي الذي أصبح لاحقًا أحد أهم أعمدة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين.
وقد تطورت العلاقات المصرية الصينية بصورة متسارعة، لتشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية. وأصبحت الصين اليوم أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، فيما تحولت القاهرة إلى بوابة رئيسية للتعاون الصيني مع العالمين العربي والإفريقي.
واليوم، وبعد سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، تبدو القاهرة وبكين أمام مرحلة جديدة من التعاون الإستراتيجي، لا تقوم فقط على الاقتصاد والاستثمار، بل تمتد إلى بناء شراكة حضارية ومعرفية بين شعبين يمثلان ركيزتين أساسيتين في حضارتي الشرقين العربي والآسيوي.
