رئيس التحرير
عصام كامل

‎هند.. صوت بألف صورة

18 حجم الخط

”الدبابة جنبينا.. بأمانة.. تعالي وخذيني.. أنا خايفة كتير.. تعالي“.. لكل حرب صورتها الأيقونة التي تجسد مأساتها، إلا حرب إسرائيل الوحشية في غزة. أرادها نتنياهو بغباء جريمة في الخفاء.. بلا صورة تخلدها، لكن هند رجب كان لها رأي آخر.
 

‎من قبرها الذي حوى الجسد الصغير لطفلة لم يتعد عمرها 5 أعوام، أحبطت هند مؤامرة إسرائيل. صار للإبادة الجماعية التي ارتكبتها.. صوتًا. صوت هند رجب وهي تستغيث 70 دقيقة في سيارة وسط جثث أسرتها: ”أنقذوني.. كلهم ماتوا“. 

‎تعرف إسرائيل أن الصورة بألف كلمة وأن صورًا كثيرة غيرت التاريخ خلال حروب وأزمات، لأنها توثق أحداثًا يجب ألا تتكرر، كما يقول المصور العسكري الأميركي الشهير جيمس ناتواي. لذلك سعت بكل السبل حتى لا تخرج للعالم من غزة صورة أيقونية جديدة.. 

مثل صورة محمد الدرة وهو يموت بين ذراعي والده أو الفيتنامية كيم فوك، طفلة النابالم العارية أو شربات جولا الموناليزا الأفغانية ضحية الحروب واللجوء أو إيلان السوري وهو جثة هامدة على شواطيء الهروب لأوروبا.


‎لا يمكن أبدًا أن نسمح للعالم بأن يتذكر الفلسطينيين أو مأساتهم. لابد أن يبقوا بلا وجوه ولا أسماء ولا هويات، ولا قصص تدل على أنهم كانوا بشرًا يستحقون الحياة.. نريدهم فقط أرقامًا صماء لقتلى وجرحى وجوعى، تنشرها الصحافة والمؤسسات الدولية ثم نشكك بصدقيتها أو دقتها أو مرجعيتها، لا مانع البتة.. هكذا تفكر إسرائيل.


‎بالتالي حاولت إخفاء غزة عن العالم فيما كانت ترتكب جرائمها بالقطاع منذ أكتوبر2023. منعت دخول الصحفيين الأجانب وحتى الصحفيين الإسرائيليين العاملين بالصحافة الأجنبية، وسمحت لعدد محدود بدخول القطاع، فقط بمرافقة قواتها، لفرض سرديتها.  


‎وقتلت منذ بداية الحرب أكثر من 270 صحفيًا بينهم مصورين استهدفوا بشكل مباشر بسبب تغطياتهم، ناهيك عن قتل عائلاتهم. إنها الفترة الأكثر دموية للصحفيين حسبما تقول لجنة حماية الصحفيين (CPJ).                                   وتجاوز عدد الصحفيين الذين قتلتهم قوات الاحتلال في غزة مجموع الصحفيين الذين سقطوا في الحرب الأهلية الأميركية والحربين العالميتين الحرب الكورية وفيتنام وحروب يوغوسلافيا وأفغانستان، وفق مشروع ”تكاليف الحرب“ البحثي بجامعة براون الأميركية.


ربما يفسر ذلك كله لماذا لم تخرج من غزة الصورة الأيقونية التي تليق بمأساتها، على الرغم من كل المذابح التي ارتكبتها اسرائيل واحدة تلو الأخرى هناك على مدار أكثر من 30 شهرًا.


غير أن صوت هند المرتعش خلال اتصالها بالإسعاف، بقي حيًا يطارد الجناة. قتلها المجرمون بوابل من الرصاص مع أقاربها، ثم قتلوا طاقم الإسعاف الذي حاول إنقاذها.. ولم يعثر على جثثهم إلا بعد 12 يومًا من الجريمة التي وقعت يوم 29 يناير 2024. وها هي إسرائيل تعترف بعد عامين بجريمة جنودها.


طغى صوت هند رجب على كل الدعاية الرخيصة. بكى العالم لاستغاثتها المؤلمة. أدرك أخيرًا أن الشهداء والجرحى الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقامًاً أو أضرارًا جانبية لعدوان إسرائيل، كما قالت المخرجة التونسية كوثر بن هنية، بعد فوز فيلمها ”صوت هند رجب“ في مهرجان البندقية الدولي. 


"لا يمكن للسينما أن تُعيد هند للحياة وتمحو الفظائع التي ارتُكبت بحقها"، لكنها "قادرة على حفظ صوتها (...) لأن قصتها ليست لها وحدها، بل هي قصة مأساوية لشعب بأكمله يعاني من إبادة جماعية“.. هكذا لخصت بن هنية الأمر وهي تتسلم جائزة الأسد الفضي عن فيلمها الذي بثت فيه المكالمة الحقيقية بين هند والهلال الأحمر الفلسطيني.

الآن إذن، لن يستطيع العالم التظاهر بأنه لم يرى، لأن الصوت المرتجف القادم من القبر مدوي، لا يمكن تجاهله.
كأن قدر غزة أن تخلد مأساتها بالصوت لا الصورة، على كثرتها وبشاعتها.. 

صوت هند وهي تتوسل عبر الهاتف لإنقاذها، أو صوت دكتور رفعت العرعير وهو يقرأ عشية استشهاده قصيدته بالإنجليزية If I must die، وصراخ الأطفال ونحيب الأمهات ودوي الانفجارات وأزيز الطائرات، وصوت الأطباء الأجانب المتهدج وهم يحكون عن أهوال رأوها في القطاع.. فليفضح الصوت جرائم أراد مرتكبوها إخفاء صورتها.
ahmedmostafaalomla@gmail.com

الجريدة الرسمية