هل انتهى زمن أونروا في غزة؟ مجلس السلام يمهد لإبعادها عن القطاع بضغوط أمريكية إسرائيلية.. تخدم 5.9 مليون فلسطيني وفقدت نحو 390 موظفا خلال حرب الإبادة
على مدى العامين الماضيين، شنت الولايات المتحدة الأمريكية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي هجوما عاصفا ضد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ردا على مواقفها الحاسمة تجاه حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
وامتدت السهام الأمريكية الإسرائيلية إلى حد بلغ إيقاف واشنطن للتمويل الذي تقدمه إلى "أونروا" مطلع عام 2024، عقب مزاعم إسرائيلية طالت عددا محدودا من موظفي الوكالة على خلفية أحداث 7 أكتوبر 2023، في وقت واجهت فيه الوكالة لاحقا تدقيقا وتحقيقات كشفت كذب تلك المزاعم.
وفي يوليو الماضي، أعلن "مجلس السلام" بصورة صريحة أنه لا مكان لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في ما وصفه بـ"غزة الجديدة"، مؤكدا توجهه نحو إنهاء ما سماه "الاعتماد المستمر على المساعدات". وأثار الإعلان حينها تساؤلات بشأن مستقبل الوكالة، وما إذا كان المجلس يسعى إلى بناء منظومة بديلة للخدمات التي تقدمها الأونروا في القطاع.

كما أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العام 2024 قانونين أحدهما يحظر أنشطة أونروا داخل "إسرائيل" والآخر يمنع السلطات الإسرائيلية من إجراء اتصالات بالوكالة، وهو ما علق عليه المفوض العام السابق للأونروا فيليب لازاريني قائلا: "إن هذين القانونين يزيدان من معاناة الفلسطينيين، ولا يقلان عن كونهما عقابا جماعيا. إن إنهاء الأونروا وخدماتها لن يسلب الفلسطينيين من وضعهم كلاجئين".
هل يجري استبعاد أونروا من غزة؟
مع بدء الحديث عما يعرف بـ"مجلس السلام"، والذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن خطته للسلام في غزة، طغى عداء ترامب لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين على آلية التعاون بين المجلس والوكالة، بصورة تكشف أن "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مستبعدة بصورة واضحة من خططه المعلنة لإدارة وإعمار القطاع"، وفق تقرير نشره "المركز الفلسطيني للإعلام".
ويقول التقرير: بينما يمضي "مجلس السلام" في رسم ملامح المرحلة المقبلة في قطاع غزة، تبدو وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مستبعدة بصورة واضحة من خططه المعلنة لإدارة وإعمار القطاع، لكن ما يجري خلف الكواليس يكشف صورة أكثر تعقيدا، مع استمرار الاتصالات والاجتماعات بين الوكالة والجهات التي يفترض أن تتولى إدارة غزة مستقبلا.
ماذا يجري وراء الكواليس؟
في تصريحات سابقة، كشف لازاريني عن اجتماعات واتصالات غير معلنة بين الوكالة و"مجلس السلام" واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المكلفة بإدارة القطاع، مشيرا إلى أن أطرافا فلسطينية مشاركة في ترتيبات المرحلة المقبلة ترى أن الاستغناء عن خبرات الأونروا لن يكون أمرا سهلا.

وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، جرى عقد ثلاثة اجتماعات على الأقل خلال العام الجاري بين مسؤولين في أونروا واللجنة الفلسطينية، كان أحدثها خلال سبتمبر الجاري، فيما جرى اجتماعان منها خلال فترة تولي لازاريني رئاسة الوكالة.
وأظهرت محاضر اجتماعات اطلعت عليها "أسوشيتد برس" أن اللجنة الفلسطينية ناقشت مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إمكانية التعاون في خطط مستقبلية للقطاع، بما في ذلك دور الوكالة في إعادة إعمار مخيمات اللاجئين، رغم استبعادها رسميا من خطط "مجلس السلام" المعلنة بشأن غزة.
هل يملأ مجلس السلام فراغ أونروا؟
يبدو من الصعب أن تملا أي جهة –مهما كانت قوتها- الفراغ الذي يمكن أن يخلفه استبعاد اونروا من المشهد الفلسطيني، وتحديدا في قطاع غزة؛ حيث بدات الوكالة عملها في القطتع منذ عام 1950، وفقدت الوكالة أكثر من 390 من موظفيها خلال عامين برصاص إسرائيلي، دون أن يتراجعوا عن مواصلة العمل الإنساني محاولين تخفيف معاناة أطفال ونساء وكبار سن طالتهم نيران الاحتلال.
وبحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة على الإنترنت، فإن "الوكالة كانت تستجيب لاحتياجات حوالي 750 ألف لاجئ فلسطيني عندما بدأت الوكالة عملها في عام 1950، فيما ارتفع العدد، اليوم، إلى حوالي خمسة ملايين وتسعمائة الف لاجئ من فلسطين يحق لهم الحصول على خدمات الأونروا".
ماذا يريد مجلس السلام؟
عقد "مجلس السلام" إحاطة هذا الأسبوع، تحدث خلالها عن عدد من وكالات الأمم المتحدة باعتبارها جهات يمكن أن تشارك في جهود إعادة إعمار غزة، لكنه لم يدرج وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ضمن الجهات التي ذكرها، وفق "المركز الفلسطيني للإعلام".
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الوكالة تقديم خدمات واسعة للفلسطينيين في القطاع، عبر شبكة كبيرة من الموظفين وبرامج تشمل الصحة والتعليم والمياه وإدارة النفايات والمساعدات الإنسانية.

وقال لازاريني إن إنهاء دور الأونروا بصورة كاملة في المرحلة الحالية ستكون له تداعيات شديدة على سكان غزة، نظرا إلى امتلاكها شبكة واسعة من الموظفين والخبرات والوجود الميداني، وهي عوامل يصعب تعويضها سريعا في ظل حجم الاحتياجات الإنسانية والخدمية في القطاع.
هل انتهى زمن أونروا؟
بحسب معطيات نقلتها "أسوشيتد برس"، لا تزال وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين تضم نحو 11 ألف موظف فلسطيني في غزة، فيما تقدم خدمات صحية لنحو 14 ألف مريض يوميا، وتحافظ على أنظمة للمياه وإدارة النفايات يستفيد منها أكثر من مليون فلسطيني، إلى جانب برامج تعليمية يستفيد منها عشرات الآلاف من الأطفال.
وفي المقابل، قال مسؤول في "مجلس السلام"، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن "زمن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين انتهى"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى إمكانية استمرار بعض برامجها إذا ثبتت جدواها في خدمة الفلسطينيين.
وأضاف أن موظفي الوكالة يمكن أن يستمروا في أداء بعض المهام، شريطة اجتيازهم إجراءات تدقيق والتأكد من التزامهم بالمهام الموكلة إليهم وعدم ترويجهم لما زعم أنه "أيديولوجيا أو مصالح حماس"، وفق "المركز الفلسطيني للإعلام".
ويرى لازاريني أن هذا الطرح يعكس تناقضا واضحا؛ إذ يجري الحديث عن إنهاء دور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي تستمر فيه أطراف دولية وفلسطينية في بحث كيفية الاستفادة من قدراتها وبرامجها وخبراتها المتراكمة في القطاع.
هل تستفيد لجنة إدارة غزة من خبرات أونروا؟
تشير المعطيات التي كشفتها وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن التواصل بين وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والجهات الفلسطينية المعنية بإدارة غزة لم يتوقف، بل شمل بحث أدوار محتملة للوكالة في المرحلة المقبلة.

كما طلب "معهد توني بلير"، وهو أحد الشركاء المرتبطين بمجلس السلام، مساعدة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وتحدث مع عدد من موظفيها، في مؤشر على أن خبرة الوكالة الميدانية لا تزال موضع اهتمام لدى الجهات التي تعمل على وضع تصورات للمرحلة التالية في غزة.
وكان القائم بأعمال المفوض العام للأونروا، كريستيان ساوندرز، قد وصف دور الوكالة بأنه "حيوي" للجهود الدولية الرامية إلى تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار ودعم سكان القطاع.
ماذا ينتظر وكالة أونروا؟
وفي المحصلة، يبقى مستقبل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في غزة عالقا بين موقف معلن يدفع باتجاه إنهاء دورها، مدعوما برؤية أمريكية إسرائيلية، وحاجة ميدانية تدفع أطرافا فلسطينية ودولية إلى إبقاء قنوات التواصل معها مفتوحة، في انتظار اتضاح شكل الإدارة والخدمات في المرحلة المقبلة، بحسب "المركز الفلسطيني للإعلام".
وبين الموقفين، تبقى كلمات لازاريني في الخلفية متسائلا: كم فلسطينيا يجب أن يموت ويمحى من أرضه لتتحرك الإنسانية؟ الناس في غزة يبحثون عن الطعام ويموتون صمتا؛ هؤلاء أرواح، وبشر، ولا يمكن اختزالهم إلى مجرد أرقام؛ لقد تحول ارتكاب الفظائع إلى أمر اعتيادي تحت أنظار العالم، فهل هذه هي إنسانيتنا الجديدة؟
- الفيديو المرفق يوضح دعوة المفوض العام السابق للأونروا إلى إجراء تحقيق في مقتل أكثر من 390 من موظفي الأونروا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.




