فيليب لازاريني.. صوت الإنسانية في غزة.. فضح الإبادة الإسرائيلية.. رفض الحرب على إيران.. ومشهد الجوع في عينَي طفلة فلسطينية تبحث عن رغيف خبز لا يفارق خياله
فيليب لازاريني، كم فلسطينيا يجب أن يموت ويمحى من أرضه لتتحرك الإنسانية؟ الناس في غزة يبحثون عن الطعام ويموتون صمتا؛ هؤلاء أرواح، وبشر، ولا يمكن اختزالهم إلى مجرد أرقام؛ لقد تحول ارتكاب الفظائع إلى أمر اعتيادي تحت أنظار العالم، فهل هذه هي إنسانيتنا الجديدة؟
العبارات السابقة لم تكن سوى صرخات أطلقها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض العام لوكالة الأونروا فيليب لازاريني، والذي ترك منصبه قبل أيام، بعد خمس سنوات أمضى نصفها -تقريبا- في الدفاع عن أهل غزة وفضح حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع المحاصر.
برز اسم لازاريني كأحد أبرز الأصوات المدافعة عن اللاجئين الفلسطينيين، حاملا على عاتقه مهمة ثقيلة في أحد أكثر القضايا تعقيدا واستمرارا في التاريخ الحديث؛ فعلى مدى عمله الإنساني، رفض لازاريني أن يكون مجرد مسؤول أممي يدير وكالة إغاثة، واختار التحرك بين خطوط النار، مدفوعا بإيمان عميق بأنه “صوت لمن لا صوت له”.
لا يخفي لازاريني تلك المشاعر المختلطة التي عاشها خلال حرب الإبادة على غزة؛ وهي مشاعر مزجت بين “المرارة والحزن والفخر”؛ مرارة لازمته كشاهد عيان اقترب من الخطوط الأمامية للحرب ورصدت عيناه الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة؛ وحزن على فقدان أكثر من 390 من موظفي الإغاثة الدولية قتلوا خلال عامين برصاص إسرائيلي؛ وفخر برفقاء درب ما زالوا يصرون على مواصلة العمل الإنساني محاولين تخفيف معاناة أطفال ونساء وكبار سن طالتهم نيران الاحتلال.
مشاهد وذكريات مؤلمة لا تفارق لازاريني
وستظل تلك المشاهد والذكريات المؤلمة محفورة في ذهن المواطن السويسري البالغ من العمر 62 عاما، فيليب لازاريني، حتى بعد انتهاء ولايته الثانية على رأس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين، والتي تعرض خلالها لهجمات وانتقادات إسرائيلية زائفة لجرأته على كشف التداعيات الكارثية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، وما زالت آثارها ممتدة رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع المحاصر حيز التنفيذ “المفترض” في 10 أكتوبر 20125.

ويؤمن لازاريني بأن اتفاق وقف إطلاق مازال اتفاقا “اسميا”، قائلا: لا يزال الناس يقتلون وهم لا يعرفون مكان الحدود المتغيرة بينهم وبين الجيش الإسرائيلي.
ويصف الوضع في غزة قائلا: “إن بؤس محض. ربما نجحنا في الحد من تفاقم الجوع في غزة، ولكن لا شيء آخر. لا يزال الناس يعيشون بين الأنقاض، ولا يزالون ينتظرون لساعات للحصول على الماء النظيف، فيما يكافحون الأمراض”.
الجوع في عيون طفلة تبحث عن رغيف خبز
ويقول لازاريني: “البؤس والموت لا يزالان مستمرين في قطاع غزة، ورغم خبرتي الطويلة في مناطق النزاع حول العالم، من أنجولا إلى العراق والصومال وجنوب السودان، لا تفارق ذهني صورة طفلة فلسطينية صغيرة التقيتها في رفح بعد أربعة أسابيع من حرب الإبادة”.
ويضيف: كانت عيونها خاوية تتوسل من أجل الحصول على رشفة ماء أو رغيف خبز داخل المدرسة التي كانت تدرس فيها. وهكذا، تحولت المدرسة، التي كان من المفترض أن تكون مكانا للفرح والتعليم، إلى مكان للبؤس والمأوى لهؤلاء الفتيات الصغيرات. هذه الذكرى لا تزال تؤرقني ولا تفارقني ولو للحظة واحدة.

وحتى نهاية مهمته، شدد لازاريني على أنه لا يوجد بديل للأونروا في غزة، مؤكدًا أنها الوحيدة التي تملك الكوادر والخبرة والثقة لتقديم خدمات الصحة والتعليم، قائلا: لا يوجد بديل قائم في غزة. الأونروا هي الوكالة الوحيدة التي تمتلك الكوادر البشرية والخبرة وثقة المجتمع الفلسطيني فيما يتعلق بخدمات الصحة العامة والتعليم. لا توجد منظمات غير حكومية أخرى أو وكالات تابعة للأمم المتحدة يمكن أن تحل محلها.
من غزة إلى لبنان.. مشهد واحد وأماكن مختلفة
يقدر عدد النازحين الفلسطينيين المقيمين في مراكز الإيواء الجماعي الطارئة التابعة للأونروا والمناطق المحيطة بها بنحو 75 ألف شخص، بما في ذلك 83 موقعا للنزوح تديرها الوكالة؛ وتتواجد حاليا 117 منشأة تابعة للأونروا داخل المنطقة التي تسيطر عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القطاع ضمن ما يسمى بـ"الخط الأصفر".
ويتعرض موظفو الوكالة لقيود شديدة لمنع وصول المساعدات إلى الفلسطينيين. وتم الإبلاغ عن 957 حادثة أثرت على مباني الأونروا والعاملين فيها جراء حرب الإبادة؛ وتأثرت 312 منشأة تابعة للأونروا (أي جميعها تقريبا) جراء الحرب، فضلا عن مقتل أكثر من 853 فلسطينيا كانوا يحتمون بمبانيها، وإصابة ما لا يقل عن 2588 فلسطينيا آخرين؛ فيما واصلت وزارة الخارجية الأمريكية حملاتها الممنهجة ضد الأونروا وسط مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتصنيفها “منظمة إرهابية أجنبية” ومعاقبتها على فضحها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين بطول الأراضي الفلسطينية وعرضها.
يقول لازاريني في حوار مع موقع “أخبار الأمم المتحدة”: الهجمات على الأونروا ليست استثناء، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن غيرها. وهذا بالضبط ما حدث في غزة؛ حيث وجهت أصابع الاتهام إلى وكالات الأمم المتحدة بأنها مخترقة من قبل حماس لتبرير العمليات ضدها؛ والآن نسمع الرواية نفسها، ونرى النمط نفسه يطبق في لبنان.
حرب صامتة في الضفة الغربية
يرى لازاريني أن الوضع المأساوي للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في ظل تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين، يسلط الضوء على ما وصفها بـ"الحرب الصامتة التي تجري في ظل إفلات تام من المساءلة".
وفي يناير 2026، اقتحمت الجرافات الإسرائيلية مقر الأونروا في القدس المحتلة، وشرعت في هدم المباني هناك، بينما رفع العلم الإسرائيلي فوق مجمع الأمم المتحدة، في مشهد يصفه لازاريني قائلا: إنه استخفاف صارخ وتجاهل للقانون والدولي. وسير كل الأمور بدون أي احترام لقواعد الحرب سمح -الآن- بامتداد الصراع إلى إيران دون أي مبرر لشن حرب واسعة النطاق كهذه تؤثر على المنطقة بأسرها.

يقر الدبلوماسي السويسري بأنه واجه "ضغوطا هائلة" جراء الهجمات التي استهدفته هو والأونروا خلال العامين الماضيين، لكنه يؤكد مواصلته العمل، مشددا على أنه سيواصل الكتابة عن تجاربه على رأس وكالة تابعة للأمم المتحدة، يظل مستقبلها تحت رحمة الأوضاع الجيوسياسية.
غزة ستبقى وصمة في ضمير الإنسانية
ويستلهم لازاريني عن الكاتب المصري الحاصل على الجنسية الكندية عمر العقاد قوله: لا يجوز أن يصبح الإفلات من العقاب أمرا اعتياديا. فالحروب لها قواعد، ويجب احترام تلك القواعد. وفي يوم ما، سيكون الجميع دائما قد عارضوا هذا؛ لكن ذلك اليوم سيكون متأخرا جدا، وسيبقى لطخة في ضمير الإنسانية لأجيال قادمة.
جمع لازاريني كل أوراقه وملفاته حازما حقائبه على طريق العودة والإقامة الدائمة في سويسرا، لكنه لم يفقد إيمانه بضرورة صون الكرامة الإنسانية، مؤكدا أن العمل الإنساني ليس مجرد وظيفة، بل رسالة أخلاقية تصارع اليأس وتزرع الأمل في وجه نخبة "ترامبية" لا تعرف سوى لغة الموت.
- الفيديو المرفق يوضح دعوة دعا فيليب لازاريني إلى إجراء تحقيق في مقتل حوالي أكثر من 390 من موظفي الأونروا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.




