"ذا جارديان" البريطانية: حروب أوكرانيا وإيران وفلسطين والسودان تكشف عجز الأمم المتحدة.. وزعماء متهورون يدفعون العالم نحو الفوضى وتآكل القانون الدولي والاستسلام
على مدى أسبوع كامل، تابع العالم في الفترة من 22 وحتى 28 سبتمبر الماضي، فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الحالي 2026، والتي قدمت صورة تاريخية لأربعة حروب كبرى في أوكرانيا، وإيران، وفلسطين، والسودان، دون أن تكون هناك وسيلة –أو رغبة- لحلها، وفق مقال نشرته الكاتبة ذات الأصول السودانية نسرين مالك على صفحات جريدة "ذا جارديان" البريطانية.
وتقول الكاتبة ذات الأصول السودانية نسرين مالك: استعرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقائع خمس سنوات من العدوان الروسي، متحدثا عن الخسائر البشرية المروعة -حيث قتل مئات الآلاف من الجانبين- وعن ثغرات العقوبات المفروضة على روسيا، وعن "الجنون" الذي يكتنف المشهد برمته.
ومن جهته، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليهدد بـ "إبادة" إيران إذا لم تبرم اتفاقا؛ وهو تهديد تكرر -بحسب المقال- لدرجة أن إعادة طرحه لم تعد تكشف سوى عن تفريغه من مضمونه. وفي المقابل، رد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في كلمته بالتأكيد على أن إيران كانت ضحية للإرهاب والعدوان الأمريكيين، وأنها ستدافع عن نفسها "بأقصى درجات القوة"؛ مما دفع الممثل الوحيد للوفد الأمريكي في القاعة إلى الانسحاب.
مأساة الأمم المتحدة
تقول مالك: لقد تابعت تلك المهزلة التي تمثلها الجمعية العامة للأمم المتحدة في مواجهة الحرب، وصراعات القوى، والإفلات من العقاب.. يا لها من مأساة.. ويا لها من فوضى.
وتتابع: وسط هذه النزعة العدوانية الجامحة وغير اللائقة، سحقت الدعوات لإعادة التأكيد على الحقائق تحت وطأة شهوة السلطة.
وصرح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بأن شعور الحكومة الإسرائيلية بأنها بمنأى عن المحاسبة "قد بلغ مستويات مرعبة"، مضيفا: "لم تعد تشعر بأنها ملزمة بطرح السؤال عما إذا كان يمكنها الإفلات من هذا الفعل؟، فهي تعرف الإجابة مسبقا.

وتابع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني: "إذا كان بالإمكان تجاهل القانون الدولي لعقود من الزمن، فما هي قيمة هذا القانون بالضبط؟. وكأنما جاء الرد على هذا السؤال حين أصبح بنيامين نتنياهو الزعيم الوحيد الذي يواجه اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية ويلقي خطابا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متسما بطابعه العدواني المعهود. والنتيجة هي أنه لا توجد قيمة للقانون الدولي.
ترامب يمارس جرأته الوقحة بسلاح التأشيرات
حتى على الصعيد الإجرائي، كانت الكفة مائلة لصالح من يملكون السلطة والجرأة الوقحة للقيام بذلك بحسب مالك، مضيفة: مارست إدارة ترامب صلاحياتها السيادية في تحديد من يحق له الحضور ومن لا يحق له ذلك، موظفة نظام التأشيرات كسلاح حول الأمم المتحدة -التي يفترض أن تكون هيئة محايدة ذات قواعد وبروتوكولات خاصة- إلى أداة تستغل لخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بحكم وجود مقرها على الأراضي الأمريكية.

وفي هذا السياق، منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (الذي لم توجه إليه المحكمة الجنائية الدولية أي اتهامات) و80 مسؤولا فلسطينيا آخرين من الحصول على تأشيرات لحضور الاجتماعات، وذلك للمرة الثانية في عهد ترامب. كما منع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من الحصول على تأشيرة.
تراجع الاهتمام بقضايا السلام
وفي خضم هذا الانهيار، تلفت مالك الانتباه إلى تحركات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، والذي كان يتنقل بنشاط وحيوية بين الاجتماعات، محتفظا بروح متفائلة وإصرار لافت، مؤكدا أن "الدبلوماسية هي الحل لكثير من ألزمات التي يعيشها العالم، مثل فتح الممرات الحيوية -كباب المندب والبحر الأسود ومضيق هرمز- لأن عدم القيام بذلك سيضاعف من أعباء التنمية والاحتياجات الإنسانية الملقاة على عاتقنا"، على حد وصفه.

وتقول مالك: انه يمثل نموذجا جديدا وصاعدا للعاملين في المجال الدولي والإنساني؛ إذ يتعين عليه التعامل مع تقليص التمويل، وتراجع الاهتمام بقضايا السلام، وعمليات سحب المساعدات الدولية التي تخضع لحسابات سياسية، وذلك كله بهدف الحفاظ -على الأقل- على تدفق ما للأموال، وضمان وصول الدعم إلى الملايين الذين ينحون من ديارهم تحت وطأة الحروب، وأزمات المناخ، والأمراض، والفقر، والجوع، والاستغلال الجائر.
تآكل القانون الدولي
وتضيف الكاتبة البريطانية ذات الأصول السودانية: ستستمر الحروب، وتتمثل الاستراتيجية الراهنة في التفاوض مع القوى الفاعلة لفك الاختناقات وإزالة العوائق أمام إدخال الإمدادات ومواد الإغاثة -سواء تعلق الأمر بمساعدات الشتاء في غزة أو باحتواء تفشي وباء إيبولا. غير أن الوضع الراهن لا يقتصر على مجرد مواجهة بين دبلوماسيين مخلصين وقوى متحاربة تتسم بالاستهتار والنزعة التشاؤمية؛ إذ أصبحت الحروب أصعب بكثير من حيث إمكانية احتوائها أو السيطرة عليها، وذلك بسبب الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة. وباتت هذه الحروب تدار عن بعد، وتتأرجح بين هجمات عالية الكثافة وأخرى منخفضة الحدة، مما يجعل بداياتها ونهاياتها أقل حسما ووضوحا.
والمحصلة -بحسب مالك- هي أن "اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026 كان تجسيدا لتآكل القانون الدولي، وتسارع وتيرة انهيار المجتمع الدولي، وحالة فوضوية وممتدة من التوتر المستمر، يقودها زعماء متهورون يغمرهم شعور بالنشوة لإدراكهم أن بإمكانهم الإفلات من عواقب أفعالهم دون خطة للخروج من الأزمات، بينما لا يجد بقية أطراف النظام الدولي خيارا سوى العمل مع هؤلاء الزعماء في محاولة لتخفيف تداعيات تصرفاتهم بأي وسيلة ممكنة بعدما تحول النظام العالمي الجديد إلى "نظام قائم على الاستسلام الفاعل".




