رئيس التحرير
عصام كامل

خريطة القواعد الأجنبية في جيبوتي.. اكتسبت اسمها من مصر القديمة.. وتحولت إلى ساحة تنافس أمريكي صيني فرنسي ياباني عند باب المندب وبوابة البحر الأحمر

تتمتع جيبوتي بأهمية
تتمتع جيبوتي بأهمية استراتيجية لموقعها عند باب المندب
18 حجم الخط

دخلت منطقة القرن الأفريقي مرحلة جديدة من التوتر، مع تجدد الحرب في إثيوبيا، بالتزامن مع تنامي الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة إلى التجارة العالمية وأمن الملاحة البحرية، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية (المتقطعة) على إيران.

 وبحكم موقعها الجغرافي، تكتسب دول القرن الأفريقي الرئيسية، إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، أهمية استثنائية؛ حيث تطل على باب المندب، وتمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وصولا إلى خليج عدن وغرب المحيط الهندي.

وعلى الرغم من أن دولة جيبوتي تعد الأقل بين الدول الأربع من حيث عدد السكان (أقل من مليون نسمة)، وتأتي في المرتبة الثالثة من حيث الناتج القومي (نحو 4.72 مليار دولار أمريكي لعام 2026)، إلا أنها تحتل موقعا متقدما عالميا في نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي، من خلالها اعتمادها الرئيسي على ضرائب العبور ورسوم الموانئ التي تشكل مصدرا مهما للإيرادات الحكومية.

استقطاب قواعد عسكرية أجنبية

لا تتجاوز مساحة جيبوتي 23 ألفا و200 كيلومتر مربع، لكن هذه الدولة الصغيرة تحولت إلى مسرح لوجود عسكري أمريكي وأوروبي وآسيوي واسع، في انعكاس مباشر لأهميتها الاستراتيجية عند مدخل البحر الأحمر.

وبحسب دراسة منشورة على موقع جامعة "يونيفرسيداد دو نافارا" الإسبانية، أصبحت جيبوتي ساحة رئيسية للتنافس بين الدول الكبرى، بفضل موقعها الجغرافي الذي منحها قدرة لافتة على استقطاب قواعد عسكرية أجنبية متعددة.

ونظرا لقربها من مضيق باب المندب وشبه الجزيرة العربية الغنية بالموارد، ووقوعها على مسار الشحن الاستراتيجي في خليج عدن، برزت جيبوتي –بحسب الدراسة- كساحة للتنافس بين الدول الأجنبية الساعية لإنشاء مدارج للطائرات، ومعسكرات تدريب، وموانئ، وقواعد عسكرية، ومراكز لوجستية، فضلا عن نشر قوات بحرية، مما أدى إلى استقطاب الأموال والاستثمارات الدولية. وقد أدى ذلك إلى جعلها المكان الوحيد في العالم الذي يضم ما لا يقل عن ست قواعد عسكرية أجنبية تابعة للولايات المتحدة والصين واليابان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

دبلوماسية الدول الصغيرة

وتضيف الدراسة: يبدو أن حكومة جيبوتي انتهجت "دبلوماسية الدول الصغيرة" لضمان بقائها في ظل البيئة الإقليمية المضطربة؛ فوفقا لهذه النظرية، تحتاج الدول الصغيرة إلى نهج استراتيجي للمنافسة مع القوى الكبرى في النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، استضافت جيبوتي منشآت عسكرية أجنبية بهدف تأمين الاستثمارات الاقتصادية وبناء التحالفات، مما عزز من مكانة البلاد وحضورها الدولي، وذلك وفقا لما صرح به رئيسها إسماعيل عمر جيلي -الذي يتولى السلطة منذ 25 عاما- ويعتمد بقاء نظامه على وجود هذه القواعد الأجنبية.

تنتهج جيبوتي دبلوماسية الدول الصغيرة
تنتهج جيبوتي دبلوماسية الدول الصغيرة

وفي العام 2017، حققت جيبوتي إيرادات بلغت نحو 70 مليون دولار من تأجير أراض لدول أجنبية، حيث ساهمت القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية وحدها بمبلغ يتراوح بين 30 و36 مليون دولار سنويا، بينما يدر ميناء جيبوتي الدولي -الذي يعد بوابة تجارية لإثيوبيا الحبيسة التي لا تطل على بحار- نحو 86% من حجم إيراداتها العامة.

فرنسا بؤرة انتشار عسكري

على مدى عقود، كانت فرنسا -بصفتها الدولة الاستعمارية الأم- هي الوحيدة التي تمتلك قواعد عسكرية في جيبوتي مقابل تقديم المساعدات المالية والدعم الدفاعي العسكري؛ حيث حكمت فرنسا تلك الدولة الصغيرة حتى 27 يونيو 1977، وهو التاريخ الذي نالت فيه جيبوتي استقلالها. 

وعلى الرغم من استقلال جيبوتي، ظل التواجد العسكري الفرنسي حاضرا في جيبوتي- حتى اللحظة- بقوة يبلغ قوامها 1450 جنديا فرنسيا، وقواعد عسكرية أهمها "القاعدة الجوية 188" قرب مطار جيبوتي الدولي، وتضم مقاتلات وطائرات إسناد ومروحيات لدعم مهام المراقبة والتدخل السريع، إضافة إلى قاعدة هيرون البحرية الواقعة في الجزء الشمالي من العاصمة جيبوتي، وتوفر الدعم اللوجستي وإصلاح وتموين السفن، إضافة إلى تأمين إسناد الغواصات والقطع البحرية الفرنسية في المحيط الهندي.

شمس اليابان حاضرة بقوة

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لليابان، والتي أنشأت أول قاعدة يابانية متكاملة وطويلة الأمد خارج البلاد منذ الحرب العالمية الثانية في عام 2011، بهدف حماية السفن التجارية من القرصنة وجمع المعلومات الاستخباراتية، وفق جامعة "يونيفرسيداد دو نافارا" الإسبانية.

أنشأت اليابان أول قاعدة عسكرية متكاملة خارج البلاد منذ الحرب العالمية الثانية في جيبوتي
أنشأت اليابان أول قاعدة عسكرية متكاملة خارج البلاد منذ الحرب العالمية الثانية في جيبوتي

كما صرحت وزيرة الدفاع اليابانية السابقة تومومي إينادا، خلال زيارتها جيبوتي في أغسطس 2016، بأن اليابان تدرس توسيع نطاق العمليات في القاعدة لتبلغ 150 ألف متر مربع، وإنشاء مرافق قادرة على توفير الإيواء للمواطنين اليابانيين في حالات الطوارئ. وفي عام 2017، استضافت القاعدة تدريبات على عمليات الإجلاء كجزء من هذه الجهود. وينظر إلى قرار اليابان بتوسيع دور وحجم قاعدتها في جيبوتي باعتباره خطوة استراتيجية لموازنة النفوذ الصيني المتنامي في أفريقيا، بحسب الدراسة.

قاعدة ليمونييه العسكرية الأمريكية

في عام 2002، أصبحت جيبوتي مقرا للقاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا، وهي "معسكر ليمونييه". وقد أنشئت تلك القاعدة العسكرية الأمريكية –الواقعة على بعد 6 كيلو مترات فقط من العاصمة جيبوتي وأقل من 13 كيلو مترا من باب المندب- بعد ثلاثة أشهر فقط من هجمات 11 سبتمبر، نظرا لموقعها الاستراتيجي ووجود تنظيم القاعدة في اليمن ومنطقة القرن الأفريقي. 

وشكل هذا الموقع، والذي تؤجره جيبوتي للولايات المتحدة مقابل نحو 70 مليون دولار سنويا، نقطة انطلاق حيوية بما تصفه واشنطن بالحرب على الإرهاب، وتأمين المصالح الأمريكية المتعلقة بأمن الطاقة، وضمان الوصول الأمريكي إلى احتياطيات النفط والغاز في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

تمرين محاكاة لإنقاذ المصابين في معسكر لومونييه الأمريكي بجيبوتي
تمرين محاكاة لإنقاذ المصابين في معسكر لومونييه الأمريكي بجيبوتي

وتضم قاعدة ليمونييه نحو 4000 عسكريا أمريكيا، و6 قواعد أمريكية للطائرات دون طيار، وقاعدة للطائرات التقليدية وسربا من الطائرات المقاتلة من طراز "ماكدونيل دوجلاس إف-15 إيه ستريك إيجل" القادرة على الطيران بسرعة عالية وحمل ذخائر متنوعة، وتؤدي دورا محوريا في تنفيذ عمليات سرية في الصومال واليمن ومناطق أخرى من القارة، بحسب تقارير إعلامية.

وأدى القرب الشديد بين القاعدة العسكرية الصينية وقاعدة "ليمونييه" الأمريكية، إلى جانب سيطرة بكين على ميناء "دوراليه"، إلى تصاعد التوتر بين القوتين العظميين المتنافستين من 2018، ما اثار احتمال اضطرار الولايات المتحدة إلى سحب قاعدتها من جيبوتي، إثر مزاعم أمريكية تفيد بأن أفرادًا صينيين استخدموا أشعة الليزر لاستهداف طيارين أمريكيين ومحاولة إصابتهم بالعمى المؤقت، وهي اتهامات نفتها الصين.

قاعدة عسكرية صينية متطورة

خصصت جيبوتي جزءا من أراضيها للصين، التي تعهدت بزيادة الاستثمارات المالية في البلاد عبر "مبادرة الحزام والطريق"؛ حيث أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية خارجية لجيش التحرير الشعبي الصيني في جيبوتي، على بعد ستة أميال فقط من القاعدة الأمريكية، بقدرة استيعابية تبلغ 10 آلاف جندي، رغم أن العدد المتمركز فيها حاليا يبلغ نحو 250 جنديًا فقط. 

وتتميز القاعدة العسكرية الصينية بحجمها الضخم غير المعتاد وتحصينها بأسوار من الأسلاك الشائكة، مما أثار مخاوف في واشنطن وطوكيو بشأن النوايا الكامنة وراء مثل هذه المنشآت. وقد هاجر ما يقرب من مليون صيني إلى جيبوتي للعمل في العديد من الشركات المملوكة للصين.

القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي
القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي

وإلى جانب حصولهم على تصاريح حكومية للإقامة والعمل في البلاد، أطلق الصينيون مبادرات لكسب تأييد السكان المحليين، مثل إنشاء ميناء "دوراليه" متعدد الأغراض بتكلفة 580 مليون دولار، وخط السكك الحديدية الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي بتكلفة 4 مليارات دولار؛ وهو أول خط سكة حديد حديث يعمل بالكهرباء في شرق أفريقيا.

قطار عسكري لا يتوقف

تمتد سياسة إنشاء القواعد العسكرية الأجنبية على امتداد خريطة جيبوتي الصغيرة، لتشمل دولا أخرى، مثل إيطاليا التي أنشأت القاعدة العسكرية الوطنية للدعم في عام 2013، وتضم 300 عسكريا، تحت لافتة مكافحة القرصنة.

كما نشرت كل من ألمانيا (بشكل مؤقت) وإسبانيا (بشكل دائم) قوات عسكرية تابعة لها في القاعدة الفرنسية "هيرون"، تحت مظلة حماية سفنهما التجارية من التهديدات الإرهابية. كما شاركت هذه القوات في مهام تابعة للاتحاد الأوروبي، مثل "عملية أتالانتا" و"عملية الحرية الدائمة".

وعلى الرغم من أن روسيا لا تدخل في منافسة صريحة مع الولايات المتحدة أو الصين في جيبوتي، إلا أنها وسعت نطاق وجودها هناك من خلال تقديم خدمات الأمن الخاص وتوريد الأسلحة، لتضمن لها بقاء في تلك الدولة التي يذهب البعض إلى أنها اشتقت اسمها يوما من إله الحكمة والمعرفة في مصر القديمة "تحوتي"!

الجريدة الرسمية