أنطونيو جوتيريش ورقصة الوداع الأخيرة.. 10 أعوام على رأس الأمم المتحدة وسط عالم مضطرب.. حروب ونزاعات مسلحة تحصد أعدادا قياسية من الضحايا.. الجوع والأوبئة يفاقمان المأساة.. والرحيل في 2027
أنطونيو جوتريش، بوجه بيضاوي أبيض، وابتسامة لافتة، وخطوط النمش المرسومة على وجنتيه، وعينين تراقبان صراعات تمتد بحجم الكرة الأرضية، ونبرات صوت تعلو -حينا- وكأنها أجراس تدق ناقوس الخطر، وتهدأ أحيانا أخرى بحثا عن صيغة وسطية تطفىء الحرائق، سعى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتريش للخروج من عباءة "الإدانة والشجب والاستنكار"، قبل أن تتحطم محاولاته عند صخرة الخمسة الكبار الذين يمسكون بمفاتيح مجلس الأمن، ويتحكمون في مصير العالم عبر حق النقض (الفيتو).
فعلى مدى 10 أعوام، اعتلى جوتريش -البرتغالي ذو التوجهات الاشتراكية- قمة الهرم الأممي في أحد أكثر فترات العالم اضطرابا؛ حيث شهدت سنوات ولايته الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والحرب السودانية، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واشتباكات مسلحة متقطعة في إثيوبيا وباكستان والهند وأفعانستان.
وبحسب تقرير أعده معهد أبحاث السلام في أوسلو، بلغت النزاعات المسلحة خلال العام الثامن من ولاية جوتريش الثانية (1 يناير 2022 وحتى 30 ديسمبر 2026) رقما قياسيا، مسجلة في العام 2024، 61 نزاعا في 36 دولة، بالتزامن مع تمدد الجماعات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ومجاعات طالت نحو 645 مليون شخص حول العالم!

كما عايش العالم خلال سنوات ولاية جوتريش جائحة "كوفيد-19" التي تعد أحد أكثر الأوبئة فتكا في التاريخ الحديث، بعدما أدوت بحياة 7 ملايين نسمة حول العالم حتى اللحظة وفق التقديرات الرسمية، بينما تشير منظمة الصحة العالمية والجهات البحثية إلى أن العدد الفعلي للوفيات الزائدة المرتبطة بالجائحة يتراوح بين 15 و20 مليون وفاة!
ثورة القرنفل.. والطريق إلى رئاسة الوزراء
وسط هذا العالم المتلاطم، ما زال جوتيريش –الأمين العام التاسع في تاريخ الأمم المتحدة- مؤمنا بقناعاته بأن "السلام سيظل ممكن، وأن كرامة الإنسان حق عالمي، وأن قوة القانون يجب أن تسود على قانون القوة". هكذا قال في "خطاب الوداع الأخير" الذي ألقاه قبل ثلاثة أشهر من مغادرة منصبه في يناير 2027.
ربما اكتسب جوتيريش، المولود بعد أربعة أعوام فقط من تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945 في العاصمة البرتغالية لشبونة، قناعاته تلك من شوارع وأحياء المدينة البرتغالية الفقيرة، التي أدت دورا بارزا في تشكيل حياته المهنية والاجتماعية والإنسانية عقب حصوله على بكالوريوس الهندسة عام 1971؛ حيث ترأس "مركز العمل الاجتماعي الجامعي"، وهي جمعية برتغالية نشأت في سبعينات القرن الماضي، للاهتمام بالأحياء الفقيرة، ما أهله لعضوية البرلمان البرتغالي لأكثر من 17 عاما، بداية من عام 1976، بالتزامن مع عضوية الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بين عامي 1981 وحتى 1983.
وبحسب التقارير الإعلامية، دخل جوتيريش عالم السياسة من بوابة الأفكار الاشتراكية وعضويته في الحزب الاشتراكي البرتغالي ومشاركته في "ثورة القرنفل"، التي قادها الجيش البرتغالي وأسقطت النظام الاستبدادي الذي سيطر على لشبونة لأكثر من أربعة عقود، بداية من عام 1933 وحتى 1974، وتصنف باعتبارها "أحد أكثر عمليات تغيير الأنظمة سلمية في التاريخ الأوروبي الحديث"، رغم وقوع حوادث عدة لإطلاق النيران.

ومن خلال عضويته في الحزب الاشتراكي البرتغالي، تدرج جوتيريش في المناصب حتى تولى رئاسة وزراء البرتغال عام 1995، قبل تقديم استقالته عام 2002 عقب خسارة حزبه الانتخابات المحلية، ليتولى بعدها منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الفترة من 2005 وحتى 2015.
من يطفىء الحرائق؟
وعلى الرغم من أن فترة تولي جوتيريش لمنصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شهدت ارتفاع عدد اللاجئين والنازحين داخليا والأشخاص المهجرين قسرا من 38 مليونا في 2005 إلى أكثر من 60 مليونا في غضون عشر سنوات، إلا أن ذلك لم يمنعه من اعتلاء قمة الأمم المتحدة مطلع يناير 2017.
وتضم قائمة المرشحين لخلافة جوتيريش سبعة مرشحين، بينهم أربع سيدات تقلدن مناصب دولية وداخلية كبيرة، إضافة إلى ثلاثة رجال. وأظهرت الجولة الأولى من التصويت، التي جرت في 30 يوليو 2026، احتلال اليهودية ريبيكا جرينسبان، النائبة السابقة لرئيس كوستاريكا، قائمة الصدارة، تليها وزيرة خارجية غيانا السابقة والمناهضة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي كارولين رودريجيز بيركيت، فيما حل رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة الأرجنتيني رافائيل جروسي في المركز الثالث، بحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز".

وفي المرتبة الرابعة، جاءت رئيسة سابقة تشيلي لفترتين ميشيل باشيليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية السابقة لحقوق الإنسان، والتي أشرفت خلال منصبها الأممي على إصدار "القائمة السوداء" للشركات التي تملك أعمالا تجارية في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية؛ ثم ماريا فرناندا إسبينوسا، وهي دبلوماسية وسياسية وشاعرة من الإكوادور، اشتهرت برفضها للقرارات الأحادية الجانب بشأن القدس، وعارضت اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي.
دفاتر مكدسة وأزمات بلا حلول
وحل سادسا الرئيس السنغالي السابق ماكي سال الذي قاد داكار باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل في عام 2017، وربط السنغال بمشروعات مشتركة مع الكيان الصهيوني، ثم الدبلوماسي الأوغندي والوكيل السابق للأمين العام للأمم المتحدة أولارا أوتونو، الملقب بمهندس "قائمة العار" للأطفال والنزاعات المسلحة، والتي استندت إليها الأمم المتحدة لإدراج جبش الاحتلال الإسرائيلي رسميا في "قائمة العار" السوداء للدول والمنظمات التي تنتهك حقوق الأطفال في النزاعات المسلحة.
وفي المحصلة، يلملم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش أوراقه، تاركا لخليفته –أيا كان اسمه أو جنسيته أو توجهاته الفكرية- أكواما من الدفاتر المكدسة والأزمات المفتوحة، في منصب طالما وصف بأنه "يمنح صاحبه حق دق أجراس الإنذار، دون أن يمنحه القدرة على إطفاء الحريق"!




