النداهة.. وما أغواها
”يا وابور قولي رايح على فين“ غناها محمد عبدالوهاب للقطار عام 1938، رد عليه شعبان عبدالرحيم بعد نحو نصف قرن بأنشودة غناها لميكروباصات شبرا عنوانها ”أحمد حلمي اتجوز عايدة“، ثم مر ربع قرن قبل أن تنفجر مهرجانات التوكتوك من قواعدها على أطراف الاسكندرية والقاهرة.
القطار والميكروباص والتوكتوك 3 محطات مهمة في رحلة تطور وسائل النقل بمصر، مع مترو الأنفاق، تحكي بطريقتها الكثير عن تغير أحوال المجتمع وطبقاته وسلطاته المهيمنة ومزاجه العام.
طرح عبدالوهاب سؤاله الوجودي في السنة نفسها التي كانت فيها مصر تتساءل عن وجهتها وهويتها الحضارية ومستقبل علاقتها مع الغرب مع صدور كتاب طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر.
من غير أن يقرأوا الكتاب، اقتنعت موجات متتالية من الشباب المصري بمنطق عميد الأدب العربي حين قال في كتابه الشهير”علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة.“
فسلكوا طريقهم إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية بحثًا عن مستقبلهم. عبروا الصحاري والبحار وواجهوا الموت، رغم كل مناشدات محمد فؤاد الحارة ”خليك على البر كفاية.. واركب مراكب النجاة“، في أغنية دبلوماسية أطلقتها وزارة الخارجية، ضاع صداها وسط صخب فيجو الدخلاوي وصاصا وباقي الشلة.
دشن تشغيل القطار للمرة الأولى في مصر عام 1854 لحظة ثورية في العلاقة بين الريف والحضر. أصبحت المدن أقرب ما تكون للقرى. وتشكلت علاقات جديدة بين الطرفين مع تزايد وتسارع تدفق البشر والسلع.
النتيجة بعد عقود تجلت في ظهور العشوائيات والتوكتوك على أطراف القاهرة.. والكمبوند والجولف كار على أطرافها الأخرى، وبينهما مدينة تقطعت بها السبل وهي تحاول تلبية طلبات أعداد هائلة من البشر تفوق طاقتها على الاستيعاب وقدرتها على الإدارة.
مدن كبرى أخرى كالأسكندرية والمنصورة وبورسعيد والإسماعيلية تأثرت كثيرًا بعملية الإزاحة المستمرة للسكان باتجاه الحضر. حدثت الهجرة من الريف في كل العالم مع الثورة الصناعية الكبرى فانتعشت المدن وازدهرت.. لكن حصل العكس تقريبًا في مصر. لأن المدينة -النداهة- لم يكن لديها من الوظائف ما يكفي لتشغيل كل القادمين الجدد..
القطاع الصناعي لم ينم بدرجة كافية على الرغم من جهود الدولة في الستينيات، وهو لا يتجاوز اليوم 15٪ من الناتج المحلي. لذلك، كان من السهل أن تنهار مقاومة المدينة مع تصاعد الضغوط وضعف الإمكانيات. تبدل شكلها وتغيرت أحوالها واختل توازنها الحضاري، لأنها لم توفر للباحثين عن مستقبل أفضل، لا فرص عمل ولا حياة لائقة، فتحولوا إلى عبء وليس رافعة، لكنه ليس ذنبهم بالتأكيد.
أغلقت دور عرض وهدمت مسارح وأزيلت حدائق وتراجعت مستويات التعليم رغم التوسع في إنشاء المدارس والجامعات. هيمنت قيم ولغة وأفكار جديدة على الحضر (43٪ تقريبًا من إجمالي السكان)، فتحول من متن إلى هامش والعكس صحيح.
وتشكلت ثقافة جديدة لم تنمو وتترعرع في وسط البلد، بل في الشوارع البعيدة المتربة عديمة الخدمات على أطراف المدينة، ثقافة التوكتوك. ساهمت الموسيقى والدراما والسينما بدور كبير في نشر تلك الثقافة. لعبوا في الإعدادات العمومية للمجتمع. غيروا حتى الكلام وأسلوبه. دخلت القاموس العام مفردات جديدة شاذة وغريبة وانحدر الذوق العام وغاب المنطق وتشوش العقل الجمعي.
والحصاد جرائم وسلوكيات منحرفة ومزاج عام منفعل ومنفلت تفضحه مواسير السوشيال ميديا.
لم يكن من الممكن أن يحدث ذلك لو أن جهودا أكبر بذلت لتنمية الريف وزيادة الخدمات وفرص العمل، أو لو أنه تم التركيز أكثر على القطاع الصناعي التحويلي القادر على استيعاب عمالة كثيفة، أو لو أن المدينة طورت نفسها وأدائها لتواصل القيام بدورها كمركز إشعاع حضاري.
لكن لا هذا ولا ذاك حدث.. فوقعت الواقعة واستفحلت ظاهرة ترييف المدن حيث الكل ضحايا بامتياز.. أبناء الريف والحضر الذين يتساءلون الآن: يا مصر رايحة بينا على فين؟! بعد 88 عامًا من محاولة طه حسين رسم معالم الطريق للمستقبل.
ahmedmostafaalomla@gmail.com
