أشرف سيد يكتب: طرة البلد في مصيبة بسبب الصمت الرسمي.. الناس تحتاج إلى من يمسك بيدها حتى تعبر.. ولا تحتاج إلى أبطال على مواقع التواصل.. التكاتف لوجه الله وترك التخوين وتكسير المجاديف
أزمة طرة البلد لم تعد أزمة حصر فقط ولا أزمة بيوت تخشى مصيرا مجهولا ولا أزمة أسر تخاف على رزقها ومستقبل أبنائها وإنما أصبحت في جانب منها أزمة نفوس أنهكها القلق وأحبطها الغموض وأتعبها طول الانتظار.
الإحباط بدأ يسيطر على الجميع وبدلا من أن تتوحد الجهود لمساندة البسطاء الذين يعيشون هذه الأيام تحت ضغط نفسي وإنساني قاس بدأ التخوين يتسلل إلى المشهد وبدأت الاتهامات تتطاير في كل اتجاه.
هذا متهم بأنه يعمل لمصلحة شخصية وذاك متهم بأنه يسعى وراء مكسب خاص وآخرون يقال عنهم إنهم يتدخلون لأن لهم مصلحة، بينما من يختار الصمت يصبح متهما بأنه راض بما يحدث وربما ينتظر الاستفادة من الإزالة حتى الذين يحاولون العمل أو السؤال أو التهدئة أو فتح باب للحوار لم يسلموا من الاتهامات.
وبهذه الطريقة أصبحنا نستهلك بعضنا البعض في وقت يحتاج فيه الجميع إلى أن يمد يده للجميع.
والأصعب من ذلك أن خيبة الأمل أصابت كثيرين..رجال قانون تحركوا وطرقوا أبواب القضاء وحاولوا استخدام الوسائل القانونية المتاحة فإذا بهم يواجهون اتهامات بأنهم فشلوا وأن الطعون مصيرها الرفض وأن الإجراءات القانونية لن تحقق شيئا.
ومن يحاول تهدئة الناس أو منع الصدام يتهم بأن وراء هدوئه مصلحة ومن يرفع صوته مطالبا بحماية الأهالي قد يجد من يشكك في أهدافه.
وهكذا أصبح الجميع متهمين والجميع محبطين والجميع يراقب الجميع بينما أصل المشكلة ما زال قائما..أسر بسيطة تريد أن تعرف ماذا سيحدث لبيوتها وأرزاقها ومستقبل أبنائها.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح.. يا أهل طرة البلد.. نحن جميعا في مصيبة واحدة.
قد نختلف في الرأي وقد نختلف في طريقة التحرك وقد يختار أحدنا طريق القانون ويختار آخر التواصل ويختار ثالث الكتابة ويكتفي رابع بالدعاء.
لكننا في النهاية نتحدث عن بيوت وأسر وأرزاق وأطفال وكبار سن ومرضى وشباب ومستقبل منطقة كاملة.
فهل يعقل أن نترك الخوف يأكلنا من الداخل ثم نبدأ في أكل بعضنا البعض؟
أن يصبح كل شخص يعمل من أجل الناس متهما وكل شخص صامت خائنا وكل شخص مختلف مع غيره صاحب مصلحة؟
لا.. ليس هذا وقت التخوين.. هذا وقت أن نسأل أنفسنا..ماذا نستطيع أن نفعل؟
من يملك القدرة على التحرك فليتحرك ومن يملك المعلومة فليوصلها ومن يملك سندا قانونيا فليستخدمه ومن يستطيع الوصول إلى مسؤول فليوصل صوت الناس ومن يستطيع مساعدة أسرة محتاجة فليساعدها ومن يستطيع تهدئة شاب غاضب فليحتويه ومن لا يستطيع إلا الدعاء فليدع الله من قلبه.
كل واحد منا يستطيع أن يفعل شيئا لوجه الله.. ولا نحتاج أن يكون اسمنا ظاهرا ولا أن نحصل على تصفيق ولا أن يقال إن فلانًا هو الذي فعل.
فالناس في الأزمات لا تحتاج إلى أبطال على مواقع التواصل بقدر ما تحتاج إلى رجال ونساء يعملون في صمت من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه ومساندة من يحتاج إلى المساندة.
سياسة كسر مجاديف بعضنا
والأهم ألا نكسر مجاديف بعضنا..فلو أن محاميا تحرك فلا نقول فشل قبل أن تنتهي الإجراءات..ولو أن نائبا تواصل مع مسؤول فلا نتهمه قبل أن نعرف ماذا فعل.. ولو أن شخصا تدخل للتهدئة فلا نبحث فورا عن مصلحته..ولو أن أحد الأهالي اختار الصمت فلا نحكم عليه بأنه راض أو مستفيد.
لا أحد منا يعرف ما في قلب الآخر والله وحده يعلم من يعمل لوجه الله ومن يتحمل فوق طاقته ومن يقضي الليل يفكر في أهل المنطقة،ومن يبكي في بيته لأنه لا يعرف ماذا سيفعل غدا.
ولهذا فإن الواجب الآن أن نترك ثقافة الإحباط وأن نترك الجمل التي تقول.. مفيش فايدة وكل شيء انتهى والطعن هيرفض ومحدش هيعمل حاجة والكل له مصلحة.
هذه الكلمات لا تحل أزمة بل تقتل الأمل في نفوس الناس وتدفعهم إلى اليأس والاستسلام.
لا أحد يملك أن يقول إن الأبواب كلها أغلقت.
لا أحد يملك أن يقول إن الأبواب كلها أغلقت..طالما هناك قانون فهناك طريق وطالما هناك مسؤولون فهناك حق في السؤال وطالما هناك صحافة فهناك حق في نقل صوت الناس وطالما هناك رجال قانون فهناك حق في استخدام القانون وطالما هناك أهل طرة بعضهم بجوار بعض فهناك قدرة على الصمود والتماسك.
وأنا شخصيا وسط كل هذه العواصف والأمواج سأظل أعمل.
لا أملك قرارا ولا أملك أن أوقف مشروعا ولا أستطيع أن أعد أحدا بما لا أملك.
لا أملك إلا قلمي وسأظل أستخدمه في السؤال وفي نقل صوت البسطاء وفي التمييز بين الحقيقة والشائعة وفي فتح الباب أمام كل مسؤول يريد أن يوضح وفي الدفاع عن حق الناس في أن تفهم ما يحدث.
وقد أُهاجم وقد أختلف مع هذا وذاك وقد أتعرض لكلام كثير لكنني لن أسمح أن تتحول أزمة طرة إلى سبب لكي نتخلى عن بعضنا البعض.
لأنني مؤمن أن أهل طرة في النهاية إخوة وجيران وأصحاب عمر وذكريات وأي بيت يتألم اليوم فإن وجعه ليس بعيدًا عن بقية البيوت.
أما الصمت الرسمي أو ما يصفه الأهالي بأنه غياب للمعلومات الكافية فلا ينبغي أن يدفعنا إلى اختراع روايات أو توزيع الاتهامات بل يجب أن يدفعنا إلى مزيد من السؤال ومزيد من المطالبة بالمعلومة الرسمية ومزيد من التواصل الهادئ مع الجهات المعنية.
نريد الحقيقة لا الشائعة..القانون لا الفوضى..الحوار لا الصدام..مساعدة البسطاء لا تكسير بعضنا البعض..
فلنتكاتف لوجه الله
من يستطيع أن يساعد فليساعد ومن يستطيع أن يتوسط بالخير فليفعل ومن يستطيع أن يهدئ فلا يتردد ومن يستطيع أن يسأل فليسأل ومن يستطيع أن يكتب فليكتب بمسؤولية ومن يستطيع أن يدافع عن حق قانوني فليدافع عنه بالقانون.
ولا تجعلوا الخلاف في طريقة التحرك يتحول إلى خصومة بين أبناء البلد الواحد
طرة البلد لا تحتمل المزيد من الانقسام الناس متعبة والقلوب مرهقة والبيوت تعيش على أعصابها..فلا نكون نحن أيضا عبئا جديدا فوق هذا العبء.
دعونا نترك التخوين، ونترك الإحباط ونترك تكسير المجاديف ونتذكر أن أعظم ما يمكن أن نقدمه الآن هو أن يكون بعضنا سندًا لبعض.
اللهم فرج كرب أهل طرة البلد واحفظ بيوتهم وأرزاقهم وأولادهم وألف بين قلوبهم واهد الجميع إلى ما فيه الخير والحق وافتح لهم أبوابا لم تكن في حسابهم واجعل بعد هذا الضيق فرجا وبعد الخوف أمانا.
وسيظل قلمي حاضرا لا يملك إلا أن يسأل.. ويكتب وينقل ويتمسك بالأمل.
فالناس في المصائب لا تحتاج إلى من يكسر مجاديفها.. تحتاج إلى من يمسك بيدها حتى تعبر.






