رئيس التحرير
عصام كامل

11 مليون متر من الخضار إلى التصحر

18 حجم الخط

قضية قطع الأشجار في مصر تشبه كل القضايا، لا توجد بيانات رسمية تقدر عدد الأشجار التي قُطعت على مدار السنوات العشر الأخيرة، بيانات بيئية فقط معظمها قادم من منظمات دولية تشير بوضوح إلى أن جرائم ارتكبت في حق المساحات الخضراء خلال هذا العقد بشكل جنوني.

بيانات المرصد العالمي للغابات تشير إلى أن مصر فقدت حوالي 11 مليون متر مربع من الغطاء الشجري بين عامَي 2001 و2023، وفي آخر عشر سنوات فقدنا 4 ملايين متر مربع من غطاء الأشجار من 2014 إلى 2023، وهو رقم مخيف ومرعب.

التطوير الذي جرى بمصر الجديدة فقط أفقدها 2500 شجرة عتيقة، وهو ما سبب حالة من الهلع بين السكان، وشهد الإعلام الاجتماعي وقائع مجازر الأشجار بمناطق كانت تحظى بغطاء شجري تكوَّن عبر سنوات طويلة من الرعاية والاهتمام، وفجأة تحول إلى أرصفة وأسمنت وطرق مجنونة.

وبين عامَي 2017 و2023 فقدت القاهرة وحدها 900 ألف متر من مساحاتها الخضراء حسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وقد شهدت أحياء الدقي والعجوزة ومصر الجديدة العدد الأكبر من مذابح الأشجار، ولم يسلم حي المعادي من تلك الجرائم.

المثير في الأمر أن “هبات” الجماهير ضد السلوك الغامض في عمليات القتل الجماعي لأشجار ربما تعدى أعمار بعضها لأكثر من خمسين عامًا لم تجد صدى طوال تسع سنوات في عمر حكومات مدبولي المتعاقبة، وعلى فجأة أطل علينا السيد رئيس الوزراء معلنًا أنه أصدر قرارًا بمنع قطع الأشجار.

ونظن أن من يستطيع أن يصدر قرارًا بمنع قطع الأشجار هو نفسه صاحب قرار قطع الأشجار أو على الأقل هو الساكت عن قطعها طوال فترة توليه مسئولية رئاسة الوزراء، ونعتقد أيضًا أن مدبولي هو واحد ممن يعرفون أسرار تلك الجريمة النكراء وواجب عليه أن يعلن للجماهير تفاصيل ما جرى وما يجري.

والأكثر إثارة أن الحكومة تحركت بعد أن استشعرت أن الناس في الشوارع بدأوا مقاومة قطع الأشجار بالوقوف بالقوة ضد مرتكبي الجريمة، وهي استجابة أكثر غموضًا، فحتى تاريخه لا يعلم أحد سببًا جوهريًّا لارتكاب جريمة أقل ما توصف بها أنها جريمة نشر القبح في شوارع المحروسة ومقاومة لكل ما هو جميل ومفيد وإهدار لقيمة إنسانية لا تقل في بشاعتها عن قتل الناس.

والمريب أن الحكومة التي ارتكبت تلك الحماقة هي نفسها التي أعلنت على لسان كبيرها أنها ستزرع أشجارًا وارفة سريعة النمو! في تخبط غريب ومدهش، خصوصًا لو أن تكلفة زرع الفسائل التي تنوي الحكومة زراعتها ستكلف ميزانية الدولة مليارات، في حين أنها صدرت فحمًا بعدة ملايين من الجنيهات.

ما جرى يوحي أن هناك من يدير الأمور بشكل يستهدف فيه ثروات هذا البلد بشكل ممنهج، وهناك من يدعم هذا التوجه ومن يتستر عليه، وكأن الأمر يدار بشكل خفي يشبه إدارات العصابات لملفات الجريمة، وهو أمر لا بد أن تكشفه أيام قادمة لا نعلم متى يكون موعدها!

الجريدة الرسمية