الأسئلة المحرمة
يدهشني أن تطرح وسائل إعلام وإعلاميون كبار وأساتذة جامعات وخبراء في الاقتصاد، سؤالا لا أراه الاستفهام الواجب طرحه، يقول أحدهم لماذا لا يشعر المواطن بالإصلاح الاقتصادي؟ وينبري الخبراء والأساتذة والصحفيون والمذيعون في الإجابة عن سؤال نرى في طرحه من الأساس مجافاة للواقع الذي جرى.
السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح: هل ما جرى خلال السنوات الماضية إصلاح اقتصادي بالفعل؟ هل الخطوات والإجراءات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة كانت إصلاحا اقتصاديا؟ أم أن ما حدث لم يكن سوى تخبط وإدارة غير مؤهلة وقرارات غير مدروسة أدت إلى ما يمكن أن نسميه أكبر عملية تخريب اقتصادي في العصر الحديث؟
الواقع وبعد سنوات يؤكد أننا أطلقنا أعدادا كبيرة من مشروعات أنفقنا فيها مئات المليارات، ثم اكتشفت الحكومات التي قدمتها للناس باعتبارها الملاذ، أنها مشروعات فاشلة، ولم تضف إلى الاقتصاد المصري إلا المتاعب والخسائر والكوارث، طرحنا مشروعات عملاقة وتفاخرنا بأننا لم ندرسها، ولم نقدم لها دراسات جدوى، واعتبرنا دراسات الجدوى عملا جنونيا والمنادين به من أصحاب الأيادي المرتعشة.
والسؤال: هل فتح “بربخ” القروض بلا رقيب أو حسيب، وترك الأمر لسماسرة القروض وإغراق الأوطان في وحل الاستدانة كان أمرا لا مفر منه؟ هل كان ولا يزال هذا السعار على القروض قرارا وطنيا خالصا لوجه الله؟ هل أدت القروض إلى طريق نجاة لمصر والمصريين؟
وإذا كانت الدول تقوم على المكاشفة والمصارحة والشفافية فهل حياكة مجالس النواب على النحو الذي جرى وتقليم أظافرها وخلعها من سياقها الوظيفي في الرقابة على الحكومة، وتصحيح مسارها وكشف عوراتها، وطرح أدائها للتقييم ومشاركة الرأي العام لمحاسبة تلك الحكومات، هل جرى ذلك مصادفة؟ هل صناعة برلمانات مشوهة و”مخصية” وتابعة وذليلة خدم البلاد والعباد أم ترك الحبل على الغارب لكل فاسد وكل ضال وكل أفاك وكل مراوغ، وكل متكسب من نيابته أو من وظيفته لينال ما يريد دون رقيب أو حسيب؟
هل إغلاق المجال العام وتأديب وتهذيب الأحزاب القديمة، وخلق نماذج مشوهة من الأحزاب الجديدة ساهم في الإصلاح الاقتصادي المنشود أم أنه أصبح شريكا صامتا أو مباركا لخطوات وإجراءات وقرارات أدت في النهاية إلى هذا الوضع الخطير للبلاد، والوصول بها إلى بداية الخضوع للسيطرة وإعلان الاستسلام التام لأصحاب الديون وهم كثر؟
هل كان تكميم الصحافة والسيطرة على الإعلام وحجب الرأي الآخر ومطاردتهم، واعتبارهم عدوا يقف في صف الإخوان، هل خلق شعارات براقة ومزيفة حول الاصطفاف الوطني والدعم الشعبي كان واحدا من أدوات الإصلاح الاقتصادي؟ وهل أدى الإعلام المكمم دوره في خدمة البلاد والعباد؟
وإذا كانت تجارب الدول التي مرت بمثل ما مررنا به قد قامت على بناء الإنسان فهل إهمالنا للتعليم وتركه نهبا لتجارب كل من هب ودب، وتطبيق نماذج مشوهة والسير في طريقها ثم العدول عنها، والعودة إليها مرة أخرى مع ممارسات متخبطة دون وعي، هل كان كل ذلك أداء يخدم الاقتصاد ويؤدي إلى بناء "مصري" قادر على الوفاء باحتياجات العصر؟
وهل اختزال الاقتصاد في الأبراج السحابية وكمبوندات الرفاهية وفيلات البحر وقرى الشواطئ ومدن لا تشبهنا ولا تشبه شعبنا، وحبس عشرات التريليونات فيها بين الطوب والأسمنت والرمال، والسقوط في مستنقع الطمع والنهب العقاري هل كان كل ذلك من أجل إصلاح اقتصادي؟
وعندما يتواكب ذلك مع تعامل رخو في ملف الصناعة دون أن نراها النموذج الأمثل للقفز فوق أشواك العوز والحاجة والفقر فإن الأمر جد خطير ويؤكد أننا لم نستهدف إصلاحا.
هل كان ترك الفلاح فريسة لوزراء لا يعرف أحدهم الفرق بين لوز القطن وكوز الذرة، ومنحه سلطات تمنع عن زراعاته الأسمدة، وتحول بينه وبين الإرشاد الزراعي، وتترك مراكز بحوثه نهبا للإهمال وتفريغه من علمائه ومن مضامينه ومن تعاقب الأجيال.. هل كان ذلك خدمة للإصلاح الاقتصادي؟
هل كانت قصة الإسناد بالأمر المباشر لمشروعات مليارية خدمة لتسريع وتيرة الأعمال أم تحولت إلى وحش كاسر يحول بين الأجهزة الرقابية والصحافة والبرلمان لأداء أدوارهم حرصا على المال العام، وحفاظا على مقدرات الشعب وصون ثرواته وإتاحة الفرصة للمحاسبة والحسم وليس للمعاتبة وأشياء أخرى؟
هل ما جرى من الحكومات المتعاقبة كان إصلاحا لاقتصاد الوطن أم كان أكبر عملية تخريب، والتخريب بجهل يؤدي إلى نفس نتائج التخريب بالعلم.. كلاهما أوصلنا إلى ما نحن فيه من كارثة.





