من طفل بسوهاج إلى بابا الإسكندرية.. كيف ظل الصعيد حاضرا في ذاكرة البابا تواضروس؟
هناك أماكن لا نغادرها حتى لو غادرناها منذ سنوات طويلة، تظل بعض الشوارع في الذاكرة، وبعض الوجوه، واسم المدرسة، وصوت الخادم في الكنيسة، وملامح المدينة التي عشنا فيها ونحن صغار.
هكذا تبدو حكاية البابا تواضروس الثاني مع الصعيد، حكاية بدأت وهو طفل صغير انتقلت أسرته من المنصورة إلى سوهاج، فدخل مدارسها، وعاش فيها ثلاث سنوات، وارتبط بكنيستها وخدامها، قبل أن تنتقل الأسرة بعد ذلك إلى دمنهور.
وبعد عشرات السنين، لم يعد الطفل وجيه صبحي إلى سوهاج كسائح أو زائر عابر، بل عاد اليها بابا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يمشي في شوارعها، ويدخل كنائسها وأديرتها، ويلتقي أهلها، ويستعيد تفاصيل ظلت حاضرة في ذاكرته.
وفي حوار له مع شباب الكنيسة في ملبورن عام 2017، تحدث البابا تواضروس عن طفولته بصورة مباشرة، وقال إنه ولد في المنصورة، ثم انتقلت أسرته الى سوهاج في الصعيد، ومنها إلى دمنهور، مؤكدا أن مدارس الأحد كانت محورية في حياته، وأنه كان يذهب كل خميس في سوهاج او دمنهور مع شقيقته إلى مدارس الأحد.
الصعيد هنا لم يكن مجرد محطة في سيرة البابا، لكنه كان جزءا من البدايات.
وفي حديث آخر استعاد البابا تواضروس تفاصيل أكثر دقة عن تلك السنوات، وقال إنه ولد في المنصورة عام 1952، وعاش فيها خمس سنوات، ثم انتقل والده للعمل في سوهاج، وهناك دخل المدرسة، وقال بوضوح، اتذكر سوهاج جيدا.
ولم تكن الذكرى مجرد اسم محافظة، فقد ظل يتذكر المكان بعد مرور عقود، حتى إنه عندما زار سوهاج عام 2020 أشار بنفسه إلى أنه عاد إلى المكان الذي عاش فيه طفلا، وقضى هناك أسبوعا كاملا.
ومن التفاصيل التي تكشف مدى حضور تلك المرحلة في ذاكرته، ما رواه البابا في حديث أحدث عن معلميه في المرحلة الابتدائية، مستعيدا أسماء مدرسين عرفهم في سوهاج، ثم آخرين التقاهم بعد انتقال أسرته إلى دمنهور، مؤكدا أن ذاكرة الطفولة تحتفظ بالكثير من التفاصيل والمواقف والدروس التي يظل أثرها ممتدا في شخصية الانسان.
وبحسب ما ورد في شهادات عن طفولته، ارتبط وجيه بالكنيسة القريبة من منزل الأسرة، وبكاهنها القمص شنودة، الذي كان يهتم بالأسرة ويأخذ الأطفال إلى مدارس الأحد، وهو ما جعل علاقته بالكنيسة تبدأ في سن مبكرة.
لكن رحلة الطفل لم تتوقف عند الصعيد، فبعد ثلاث سنوات انتقلت الأسرة إلى دمنهور، وهناك استكمل تعليمه، ثم دخل كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية، وعمل بعد التخرج، قبل أن يدخل الدير عام 1986.
ومع مرور السنوات، تحولت حياة وجيه صبحي إلى مسار آخر، من الصيدلة الى الرهبنة، ومن الراهب ثيؤدور إلى أسقف عام، ثم إلى البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
عودة مختلفة إلى سوهاج
في يناير 2020، عاد البابا تواضروس إلى سوهاج في زيارة رعوية موسعة، وكانت الزيارة مختلفة عن أي زيارة عادية، لأنها جاءت إلى المكان الذي عرفه في طفولته.
كتب البابا بنفسه عن الزيارة في افتتاحية مجلة الكرازة، واستعرض تفاصيل جولته في ايبارشيات المحافظة، وما شهده خلالها من لقاءات وقداسات وتدشينات وزيارات للكنائس والأديرة.
وخلال الزيارة التقى الآلاف من أبناء الإيبارشيات، كما التقى الكهنة والرهبان والراهبات، وزار عددا من الاديرة في سوهاج، من بينها أديرة الجبل الشرقي بأخميم، والدير الابيض والدير الاحمر.
ولم تكن الزيارة كنسية فقط، فقد شملت أيضا جوانب تعليمية وخدمية، من بينها زيارة مدرسة عيون مصر سان جورج، وهي مدرسة كانت تقدم خدمات تعليمية لعدد كبير من الطلاب، إلى جانب لقاء مع كهنة ايبارشيات سوهاج.
وكان المشهد الأهم في هذه الرحلة أن البابا لم يكن يزور محافظة جديدة بالنسبة إليه، بل كان يعود إلى مكان قديم في ذاكرته.
من سوهاج الى قلب الصعيد
بعد ذلك، امتدت جولات البابا تواضروس في محافظات الصعيد، فكانت له زيارات رعوية إلى الأقصر وقنا ونقادة، وغيرها من المناطق التي تحمل ثقلا تاريخيا وروحيا كبيرا في تاريخ الكنيسة القبطية.
وفي يناير 2016، قام البابا بزيارة رعوية إلى الأقصر وقنا ونقادة وقوص، استمرت خمسة أيام، وشملت تدشين مذابح وأيقونات، وزيارات للكنائس والأديرة، ولقاءات مع الكهنة والشعب.
وكانت زيارة الأقصر في ذلك الوقت أول زيارة للبابا تواضروس الثاني الى الايبارشية، كما وصفتها الكنيسة بانها الزيارة الخامسة لباباوات الكنيسة الى الاقصر خلال المائة عام السابقة.
وفي الأقصر أيضا، لم تكن الجولة مجرد زيارات بروتوكولية، فقد شملت كنائس وأديرة ولقاءات رعوية، كما شارك البابا في تخريج دفعات من خريجي الكلية اللاهوتية هناك.
أسيوط.. ثمانية أيام في قلب الصعيد
وفي سبتمبر وأكتوبر 2025، جاءت واحدة من أوسع جولات البابا تواضروس داخل الصعيد، عندما قام بزيارة رعوية لمحافظة أسيوط استمرت ثمانية أيام.
خلال الجولة زار البابا ايبارشيات المحافظة السبع وثمانية اديرة، والتقى الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والمكرسين والمكرسات وأبناء الإيبارشيات.
وكانت الجولة تحمل طابعا رعويًا وخدميا في الوقت نفسه، فقد تضمنت تدشين كنائس، وافتتاح مشروعات خدمية وتعليمية، ولقاءات مع الكهنة، وزيارات للأديرة.
وفي غحدى محطات الجولة، زار البابا دير مارمينا المعلق في جبل أبنوب، وصلى هناك والتقى مجمع الرهبان، كما التقى العاملين في الدير ووجه اليهم كلمة.
وفي محطة أخرى، التقى رهبان دير الانبا هيرمينا في جبل قاو بالبداري، وتحدث معهم عن الحياة البسيطة، وتناول في كلمته بساطة الفكر والفهم والمسكن والمقتنيات والعمل والعلاقات واللغة.
وفي مدينة أسيوط، زار البابا كنائس وافتتح مدرسة المحبة، كما دشن كنيسة مار مرقس الرسول وافتتح النادي الخدمي الملحق بها.
ولم تكن استقبالات أبناء الصعيد للبابا مقتصرة على داخل الكنائس، فقد شهدت الطرق والشوارع والقرى احتشاد اعداد كبيرة اثناء تنقلاته بين الإيبارشيات، وهو ما وثقته الكنيسة خلال ختام الجولة.
الصعيد في ذاكرة البابا
وربما تكمن أهمية قصة البابا تواضروس مع الصعيد في أن العلاقة بدأت قبل أن يعرف أحد أن الطفل وجيه صبحي سيصبح يوما بابا للكنيسة.
ولد في المنصورة، لكنه دخل المدرسة في سوهاج، وتعرف هناك على الكنيسة ومدارس الأحد، ثم انتقل إلى دمنهور، ومنها إلى الإسكندرية، قبل أن تبدأ رحلته في الرهبنة.
وفي يوليو 2026، وعندما تحدث البابا عن مسيرته التي وصفها بأنها رحلة مواطن مصري عادي، عاد مرة أخرى إلى محطات البدايات، وقال إن حياته مرت بثلاث محطات، الميلاد في المنصورة، وبداية دخول المدرسة في سوهاج، ثم الانتقال إلى دمنهور.
وخلال الأيام الحالية يجري قداسة البابا تواضروس الثاني جولة رعوية في محطة جديدة في الصعيد لكن هذه المرة في إيبارشية ملوي، حيث يزور عددا من الكنائس والمواقع الأثرية والأديرة.



