الدعم النقدي في مواجهة أمواج الغلاء العاتية هل يكفي؟
أثار إعلان الحكومة مجددًا التحول إلى منظومة جديدة للدعم تعتمد على الدعم النقدي السلعي في شهر يناير المقبل علامات استفهام كثيرة، حول قدرة محدودي الدخل على تلبية احتياجاتهم الأساسية من خلال هذا الدعم في هذه الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية الاستثنائية، والتي ستكون لها انعكاساتها المحلية على أسعار العديد من السلع، خاصةً وأن المبلغ المقترح للدعم النقدي، والذي أعلنته الحكومة، في حدود 325 جنيهًا تقريبًا كحد أقصى.
وتشير التوقعات الحالية إلى أن العالم مقبل على فترة صعبة مليئة بالتحديات، تشهد زيادة في نسب التضخم وأسعار السلع عالميًا وإقليميًا، في ضوء تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد النزاع الروسي الأوكراني، مما يكون له آثاره على أسعار السلع محليًا، خاصةً وأن مصر مستورد للكثير من السلع الغذائية الأساسية وغير الأساسية.
ويعني ذلك أن معاناة محدودي الدخل، بل ومتوسطي الدخل، ستتعاظم في ضوء الارتفاعات المتوقعة في أسعار السلع، مما يفرض على الحكومة تأجيل منظومة الدعم النقدي ورفع قيمته، إن لم يكن مضاعفتها، عند بدء تطبيق المنظومة بشكل يتلاءم مع الارتفاعات..
خاصةً وأن ارتفاعات أسعار الكثير من السلع لا تستمر لفترات قصيرة، بل عادةً تمتد لتشمل فترات زمنية طويلة، وقد تستمر الأسعار على مستوياتها المرتفعة ولا تعود إلى أسعارها السابقة، كما حدث في أسعار العديد من السلع.
وللأسف، فقد شهدت الفترة الماضية تزايدًا في معاناة محدودي ومتوسطي الدخل بعد ارتفاعات متكررة طالت أسعار العديد من السلع نتيجة لارتفاع تكلفة الاستيراد بسبب مشكلات النقل وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الوقود، كما أن ضعف الرقابة في الأسواق وجشع بعض المنتجين والمستوردين وإصرارهم على استمرار أرباحهم الكبيرة من ناحية أخرى زاد من هذه المعاناة، وسط مطالبات بدعم محدودي الدخل بشكل أكبر ورفع قيمة الرواتب في القطاع الحكومي التي لم تعد تكفي لتلبية أبسط الاحتياجات الأساسية.
وبالرغم من ميزة الدعم النقدي في أن يصبح الدعم أكثر مرونة ويتيح شراء المستفيدين لاحتياجاتهم الأساسية بأسعار مميزة، وأن يشمل الدعم سلعًا أخرى مهمة مثل اللحوم والدواجن، فإن ذلك سيجعل قيمة الدعم تكفي لشراء كيلو اللحم مع سلعة واحدة على الأكثر بالكاد.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت أن القيمة المقررة للدعم النقدي ستكون مرتبطة بمعدلات التضخم لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين، مع تحديثها دوريًا، يصبح من الأهمية بمكان زيادة قيمة الدعم ليستفيد منه الملايين الذين يجدون صعوبة في شراء مستلزماتهم الأساسية.
وينبغي التفكير بحذر شديد ودراسة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية قبل تطبيق منظومة الدعم الجديدة، وعدم التضحية بمحدودي الدخل وزيادة معاناتهم وسط أمواج عاتية من الغلاء تعصف بقدراتهم الشرائية وتجعلهم غير قادرين على تلبية مستلزماتهم الأساسية في ضوء هذه الظروف الصعبة.
