سيرة ومناقب أم المؤمنين حفصة وقصة زواجها ودورها في حفظ دستور الأمة
تبرز سيرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهاكنموذجٍ فريد للفضل والبركة؛ حيث جمعت بين شرف المصاهرة النبوية وكونها نموذجا للمرأة العالمة والأمينة التي اختارها القدر ليكون لها دورٌ مفصلي في حفظ دستور الأمة (القرآن الكريم) ونقل العلم والسنن للأمة.
الميلاد والنشأة
ولدت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قبل البعثة بخمس سنين، في بيتٍ عزّ فيه الإسلام؛ بيت الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم تكن مجرد زوجة لسيدنا النبي ﷺ، بل كانت نموذجًا للمرأة العالمة والأمينة.
وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح أخت عثمان بن مظعون.
تزوجت من خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم فكانت عنده، وهاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها بعد الهجرة مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من بدر.
قصة الزواج من النبى
بدأت قصة زواجها من النبي ﷺ بعد استشهاد زوجها خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ في غزوة بدر، وكان هذا الزواج المبارك للنبي ﷺ مواساة لعمر بن الخطاب وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَربع مئَة دِرْهَمٍ.
وعن سالم عن ابن عمر قال: لما تأيمت حفصة لقي عمر عثمان، فعرضها عليه، فقال عثمان: ما لي في النساء حاجة، فلقي أبا بكر فعرضها عليه فسكت، فغضب على أبي بكر، فإذا رسول الله قد خطبها فتزوجها، فلقي عمر أبا بكر فقال: إني عرضت على عثمان ابنتي فردني، وعرضت عليك فسكتَّ، فلأنا كنت أشد غضبًا حين سكتَّ مني على عثمان وقد ردني، فقال أبو بكر: إنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر منها شيئًا، وكان سرًّا، فكرهت أن أفشي السر.
وتزوَّجها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في سنةِ ثلاثٍ مِن الهجرةِ، وقال أبو عُبَيدةَ: تزوَّجها سنةَ اثنتَيْنِ مِن التاريخِ وطَلَّقَها صلى الله عليه وسلم تطليقةً ثم ارتَجَعَها، وذلك أن جبريلَ عليه السلام قال له: راجِعْ حفصةَ؛ فإنَّها صَوَّامةٌ قَوَّامةٌ، وإنَّها زوجتُك في الجَنَّةِ.
وروَى موسى بنُ عُلَيِّ بنِ رباحٍ، عن أبيه، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قال: طَلَّقَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حفصةَ بنتَ عمرَ، فبلَغ ذلك عمرَ، فَحَثَا على رأسِه التُّرَابَ، وقال: ما يَعْبَأُ اللهُ بعمرَ وابنتِه بعدَ هذا! فنزَل جبريلُ من الغدِ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُرَاجِعَ حفصةَ بنتَ عمرَ؛ رحمةً لعمرَ.
وعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ ارَتجَعَهَا» [أحمد، المسند (١٥٩٢٤)].
مناقبها رضي الله عنها
من مناقبها رضي الله عنها العلم والبلاغة: عن الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة وعندها امرأة، يقال لها الشفاء، ترقي من النملة، فقال: "علميها حفصة". [ابن سعد الطبقات الكبرى (٨/٦٨)].
العبادة والزهد: قَالَ الْوَاقِدِيّ وَخَلِيفَة بن خياط والمدائني وَابْن الْمثنى: فَتَزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثَلَاث وَالله أعلم. وَكَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم طَلقهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فَرَاجعهَا ثمَّ قَالَ: "قَالَ لي جِبْرِيل عليه السلام: رَاجع حَفْصَة؛ فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة، وَإِنَّهَا زَوجتك فِي الْجنَّة" [الكلاباذي، الهداية والإرشاد (٢/٨٤٠)].
حارسة القرآن الكريم
الأمانة الكبرى: لماذا اختار الصحابة (أبو بكر وعمر) بيت حفصة لإيداع "المصحف الإمام" أو النسخة المجموعة الأولى من القرآن؟
لما رأى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كثرة من قتل من كبار الصحابة باليمامة أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال, فعن زيد بن ثابت، قال: «وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاه اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ» [البخاري (٤٦٧٩)].
وعن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، فكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف؛ ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ينسخونها في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا أنتم اختلفتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم"، ففعلوا. حتى إذا نسخت الصحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا».
رواية الحديث
وروت أم المؤمنين حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيها، وعنها أخوها عبد الله، وحارثة بن وهب، وأم مبشر الأنصارية، وجماعة [إسعاف المبطأ (٣٤)].
ومسندها في كتاب بقي بن مخلد: ستون حديثًا، اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث [الذهبي، سير أعلام النبلاء (٢/٢٣٠)].
عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» [مسلم (١١٠٧)].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ». [مسلم (١٢٢٩)].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ». [مسلم (٧٢٣)].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ» [سنن ابن ماجه (١٧٠٠)].
عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» [سنن أبي داود (٢٤٥١)].
عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: ٧١]؟ قَالَ: " فَلَمْ تَسْمَعِيهِ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: ٧٢]. [السنة لابن أبي عاصم (٨٦٠)].
عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا». [صحيح مسلم (٧٣٣)]
وفاتها
خاتمة حياتها: قال الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَامِلٌ بِالْمَدِينَةِ» [الحاكم، المستدرك على الصحيحين (٤/١٦)].
قال ابن عمر: توفيت حفصة في شعبان سنة خمس وأربعين ٤٥ هـ في خلافة معاوية، وهى يومئذ ابنة ستين سنة.
قال ابن عمر: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال: نزل في قبر حفصة عبد الله وعاصم ابنا عمر، وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر.








