المحافظ والوزير
تطورت المشكلة التى حدثت بين محافظ القليوبية وإثنين من مديري المدارس في دائرة محافظته إلى إثارة قضية غاية في الخطورة، عبرت عنها في أطروحتي للدكتوراة عام 1990 عن العلاقات التنظيمية بين أجهزة الإدارة المحلية بشيوع المسئولية وازدواجية السلطة بين المحافظ والوزير!
لن أدخل بك عزيزي القارئ في متاهات تشريعية ونصوص قانونية، ولكن أنا على يقين أن وزير التعليم لا يعرفها.
لن أتعرض لواقعة المحافظ ومديري المدارس والذي كنت أفضل أن يحيلهما إلى التحقيق من البداية إذا رأى وجود تقصير ولا يدخل معهما في مشاحنات كلامية.
هل تعرف يا سيادة وزير التربية والتعليم إنك لا تملك سلطة إدراة العملية التعليمية بالمحافظات، بل ولا تملك سلطة تحريك أحد العاملين بإحدى مديريات التربية والتعليم بالمحافظات من مدرسة إلى مدرسة تجاورها في نفس الشارع، أو توقع عليه جزاء خصم نصف يوم من راتبه، وتوجد وقائع عديدة قام فيها وزير التعليم بتوقيع جزاء على مدرسين بالمحافظات ألغته محكمة القضاء الاداري لصدوره من غير مختص!
إنما الذي يملك هذه السلطة هو المحافظ، وليس على العاملين بالتربية والتعليم فقط بل على العاملين في 11 وزارة في نطاق محافظته نقلت إختصاصاتها إلى المحليات. ولكن تظل سلطة الاشراف الفني للوزير ووزارته على أداء مديرية التربية والتعليم قائمة. أما الاشراف الاداري بالكامل فهو من اختصاص المحليات.
وكم كنت حزينا مما آلت إليه الأمور بين المحافظ والوزير ووصلت إلى هذا الحد من اللامسئولية. مش على الهواء كده يا سيادة الوزير وبالأحضان تحاول إحراج المحافظ وتقل منه فى محافظته، وكان يمكن لك أن تفعلها بشياكة ومسئولية لو خطفت رجلك إلى بنها في زيارة سريعة لإحتواء الموقف في مكتب المحافظ.
ويذكرني هنا موقف أرى أن هذا وقته ليرى النور. ففي أحد اجتماعات مجلس المحافظين، وكان المعتاد أن بعد أن يفتح الدكتور الجنزوري الجلسة أبدأ بعرض الموضوعات المدرجة في جدول الأعمال، بإعتباري أمين عام المجلس، إلا أن الدكتور الجنزوري -عليه رحمة الله- استوقفني وبدأ فى توجيه اللوم بنبرة حادة إلى إثنين من السادة الوزراء المدعويين للاجتماع..
كان كل منهما رفع قضية على الآخر (بصفته) لعدم سداد مستحقات وزارته لدى الوزارة الأخرى، ولم أر الجنزوري ثائرا كما رأيته في هذه الجلسة، وقال بالنص دى فضيحة لو وصلت للصحافة، إزاى وزارة تقاضي وزارة أخرى علشان لها مديونية عندها، مع إن كل منكما ينهل من نفس الوعاء وهو خزينة الدولة، وأصدر قرارا بحظر أن تقوم وزارة أو أي جهة حكومية بمقاضاة وزارة أو أي جهة حكومية أخرى إلا بعد العرض عليه شخصيا، ولما يعجز هو بحكم منصبه كرئيس للحكومة عن حل المشكلة فعندها يمكن رفع القضية.
المحافظ يا سادة هو الرئيس الأعلى لجميع العاملين بدائرة المحافظة من الوزارات التي نقلت اختصاصاتها إلى المحليات، أما الوزرات التي لم تتقل اختصاصاتها إلى المحليات فله حق إحالتهم إلى التحقيق مع رفع الأمر إلى الوزير المختص. وإذا إختلفا يرفع الأمر إلى رئيس مجلس الوزراء.
خاتمة:
لو أمطرت السماذ ذهبا لن تتحسن جودة حياة المواطن المصرى إلا باعادة تنظيم الإدارة المحلية وفق الأسس العلمية التي تحكم هذا النظام ومن أهمها إختيار قياداتها بالانتخاب من رئيس القرية إلى رئيس المدينة إلى المحافظ (بالتدريج)، مع تعديل نظام الانتخاب للقضاء على دور المال السياسي والعصبية الاجتماعية والأمية السياسية..
بجعل النظام الانتخابي على درجتين الأولى على مستوى الشياخة، ولكل مواطن بلغ السن القانوني حق الإنتخاب ويتم فيها انتخاب ممثلى الشياخة في المجمع الانتخابي للدائرة الانتخابية (المرحلة الثانية) بواقع ١% من عدد أصوات كل شياخة وهو نظام يجمع ما بين الديمقراطية بمفهومها الغربي والشورى في الاسلام.
وإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فستظل الإدارة المحلية في مصر مجرد ديكور للحكومة المركزية ومحملة بكل سلبياتها.
