في ذكرى وفاته الـ 13، أسامة الباز عقل الدولة وصاحب الملفات الصعبة
في تاريخ الأمم رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بكثرة ما قالوا، ولا بعدد المناصب التي شغلوها، وإنما بما تركوه من أثرٍ هادئ وعميق في صناعة القرار وتوجيه دفة الأحداث، ومن بين هؤلاء يبرز اسم أسامة الباز، أحد أبرز العقول السياسية والدبلوماسية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
كان «الباز» نموذجًا للرجل الذي امتلك قوة الفكرة قبل قوة المنصب، ورجاحة العقل قبل صخب السياسة. لم يكن حضوره قائمًا على الاستعراض أو الأضواء، بل على المعرفة والقدرة على قراءة المشهد السياسي بعمق، وفهم تعقيدات العلاقات الدولية، والتعامل مع القضايا الوطنية والقومية بمنطق يجمع بين الواقعية والتمسك بالمبادئ.
منهج الباز الدبلوماسي
كان واحدًا من أولئك الذين أدركوا أن الدبلوماسية ليست مجرد لغة بروتوكولية، وإنما فن لإدارة المصالح، ومساحة للحفاظ على الحقوق، وجسر يمكن من خلاله تحويل الصراع إلى تفاوض، والاختلاف إلى فرصة للحوار. ولذلك ظل اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ السياسة المصرية والعربية، وبخاصة في ملفات السلام والصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات الدولية.
لم يكن أسامة الباز رجلًا عابرًا في تاريخ الدبلوماسية المصرية؛ فقد كان من رجال الملفات الصعبة، أولئك الذين يجدون أنفسهم في قلب القضايا التي لا تحتمل التسرع، ولا تقبل الحلول السهلة، وهنا تأتي أهمية تجربته؛ إذ لم يكن تأثيره في ارتفاع الصوت، وإنما في هدوء العقل ودقة الحساب.
نشأته وتعليمه
وُلد أسامة الباز عام 1931 في قرية طوخ الأقلام بمحافظة الدقهلية، ودرس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وحصل فيها على درجة الليسانس في الحقوق، ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة، وحصل على ماجستير في القانون الدولي من جامعة جورجتان.
مسيرته الدبلوماسية والسياسية
في عام 1953 عمل وكيلًا للنائب للعام، قبل أن يتركه في عام 1956 ويلتحق بوزارة الخارجية، كسكرتير ثاني ثم سكرتير أول خلال الفترة 1959–1967.
تدرج «الباز» في المناصب الدبلوماسية حتى أصبح من أبرز الشخصيات السياسية القريبة من مؤسسة الرئاسة، وتولى منصب المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك، وهو موقع أتاح له المشاركة في التعامل مع العديد من القضايا المصيرية التي شغلت السياسة المصرية والعربية.
عُرف بقدرته على تحليل الأحداث بهدوء، وتقديم الرأي القائم على دراسة التفاصيل، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع.
كما ارتبط اسمه بعدد من أهم ملفات السياسة الخارجية المصرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي وعلاقات مصر بالقوى الدولية.
القضايا الكبرى في حياة أسامة الباز
مفاوضات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، من أبرز المحطات في حياة أسامة الباز. فقد شارك في المفاوضات وفي صياغة معاهدة السلام عام 1979، مستفيدًا من تكوينه القانوني والدبلوماسي وقدرته على التعامل مع التفاصيل الدقيقة للمفاوضات.
كانت تلك المرحلة واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ المصري والعربي، ولذلك احتاجت إلى رجال يمتلكون القدرة على التفاوض، وقراءة المواقف، وفهم ما وراء الكلمات، وظهر الباز باعتباره رجلًا يجمع بين القانون والسياسة والدبلوماسية، وهي تركيبة جعلته أحد العناصر المهمة في التعامل مع هذا الملف.
القضية الفلسطينية
إذا كان هناك ملف ارتبط باسم أسامة الباز لسنوات طويلة، فهو القضية الفلسطينية، إذ تولى الملف الفلسطيني الإسرائيلي، وكان من أبرز المسؤولين المصريين الذين شاركوا في الاتصالات والمفاوضات المتعلقة بعملية السلام، وتحرك بين الأطراف المختلفة في محاولات لدفع الحوار والوصول إلى تسويات تحفظ الحقوق وتمنع اتساع دائرة الصراع.
القضية الفلسطينية تتجاوز حدود التفاوض
وكان ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تتجاوز حدود التفاوض السياسي المباشر، وترتبط بأمن المنطقة ومستقبلها واستقرارها، وخبرته الطويلة في هذا الملف جعلته واحدًا من أكثر الدبلوماسيين المصريين معرفة بتفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي وتعقيداته.
استرداد طابا
كان أسامة الباز حاضرًا في ملف استرداد طابا ضمن منظومة العمل السياسي والدبلوماسي المصري التي تعاملت مع القضية باعتبارها مسألة سيادة وحق تاريخي وقانوني.
واستفادت الدولة المصرية في هذا الملف من خبرته الطويلة في القانون الدولي، ومعرفته الكبيرة بتفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي، إذ كان من الشخصيات التي شاركت في إدارة ومتابعة الملفات المرتبطة بالمفاوضات المصرية الإسرائيلية.
ولم يكن دوره منفصلًا عن جهود اللجنة والوفد المصريين الذين تولوا إعداد والوثائق والخرائط التي دعمت الموقف المصري أمام هيئة التحكيم الدولية.
مثّل ملف طابا نموذجًا للمدرسة التي آمن بها الباز في العمل الدبلوماسي: أن الدفاع عن الأرض لا يكون بالقوة وحدها، وإنما بالوثيقة والحجة والقانون، وبالقدرة على تحويل الحق التاريخي إلى موقف سياسي وقانوني متماسك، وكُللت الجهود إلى صدور حكم التحكيم الدولي في 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر، ثم رفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989.
العلاقات المصرية الأمريكية
في مرحلة اتسمت بتعقيدات إقليمية ودولية كبيرة، برز دور «الباز » ساعدته خبرته في السياسة الدولية، وإدراك طبيعة المصالح المتبادلة بين القاهرة وواشنطن، والحفاظ على مساحة للحركة أمام السياسة المصرية في ظل المتغيرات الدولية.
وكانت علاقته بالملف الأمريكي جزءًا من منظومة أوسع من الدبلوماسية المصرية التي سعت إلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والعلاقات الدولية.
علاقة الباز بالرئيس مبارك
ارتبط اسم أسامة الباز بعلاقة سياسية طويلة بالرئيس حسني مبارك، وكان من أبرز مستشاريه وأكثرهم قربًا من دوائر صنع القرار، واستمر في منصبه ما يقرب من 17 عامًا، أتاح له هذا الموقع الاطلاع على كثير من الملفات الداخلية والخارجية، والمشاركة في صياغة الرؤى والمواقف المصرية تجاه الأحداث الإقليمية والدولية.
الإصلاح السياسي ومستقبل مصر
لم يكن اهتمام أسامة الباز مقصورًا على السياسة الخارجية. فقد اهتم أيضًا بمستقبل الدولة المصرية وبقضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي.
وظهر جانب من أفكاره في كتابه «مصر والقرن الحادي والعشرين»، الذي تناول فيه رؤيته لمستقبل مصر والتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، وكان يرى أن بناء المستقبل يحتاج إلى وعي بالواقع، وإلى تطوير مؤسسات الدولة، وإلى التعامل مع التحولات الاجتماعية والسياسية بقدر كبير من الفهم.
رحيل الباز
رحل أسامة الباز في 14 سبتمبر 2013، بعد مسيرة طويلة في العمل الدبلوماسي والسياسي، لكنه ترك وراءه سيرة ترتبط بمرحلة شديدة الأهمية من تاريخ مصر والمنطقة.
